كمائن رفح: مقاتلو القسام يجرّون نخبة الاحتلال إلى مصيدة الموت البطيء

كمائن رفح: مقاتلو القسام يجرّون نخبة الاحتلال إلى مصيدة الموت البطيء
كمائن رفح: مقاتلو القسام يجرّون نخبة الاحتلال إلى مصيدة الموت البطيء

الرسالة نت- خاص

في مشهد يعكس تحوّل معادلات القوة وتآكل التفوق الميداني ( الإسرائيلي )، تلقى جيش الاحتلال ضربة موجعة في قلب منطقة رفح، حيث وقعت قوة نخبوية من وحدة "يهلوم" المتخصصة بالهندسة القتالية في كمين محكم أعدته كتائب القسام، انتهى بمقتل جنديين وإصابة آخرين، رغم تنفيذ ما وصفته إذاعة الجيش بـ"عمليات تمشيط ومسح أولي" قبل دخول النفق.

هذه العملية لم تكن استثناء، بل جزء من سلسلة كمائن قاتلة باتت سمة بارزة لمعركة رفح.

 إدارة الميدان 

 فالقسام، الذي راكم خبرة واسعة في إدارة الميدان تحت الضغط الجوي والناري الهائل، نجح في تحويل ما كان يُعتقد أنه "شريط أمان" لتقدم القوات ( الإسرائيلية)  إلى حقل ألغام متعدد الطبقات: تفخيخ المباني، زراعة العبوات داخل الأنفاق، واستخدام النيران المباشرة والكمائن النارية في توقيت محسوب.

وحدة "يهلوم"، المعروفة بتخصصها في تفكيك العبوات وكشف الأنفاق، لم تستطع تفادي فخ القسام، ما يطرح تساؤلات استراتيجية خطيرة داخل المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية": كيف تفشل نخبة النخبة في كشف عبوة ناسفة؟ وكيف تتمكن المقاومة، رغم الحصار والتقنيات الإسرائيلية المتقدمة، من إخفاء هذه العبوات داخل أنفاق كشفها الاحتلال سابقاً؟

 استنزاف معنوي 

ما يحدث في رفح ليس فقط إرهاقاً ميدانياً لجيش الاحتلال، بل هو استنزاف نفسي ومعنوي. كل خطوة للأمام تعني احتمال الموت، وكل مبنى "ممَشّط" قد يكون فخاً. القسام، بأسلوبه القتالي الهادئ والدقيق، يحوّل تقدم الاحتلال إلى مقبرة بطيئة للجنود والقيادات.

فالاحتلال كان يتحدث عن معركة "قصيرة وسريعة" في رفح لإنهاء ما تبقى من البنية التحتية لكتائب القسام. لكن الواقع أن رفح تحولت إلى "ثقب أسود" يمتص القدرة العسكرية الإسرائيلية.

منذ الأيام الأولى، بدأت تظهر أنماط متكررة: عبوات تفجيرية، كمائن داخل منازل، هجمات من فتحة نفق تُفتح فجأة من الخلف، اختفاء مقاتلين بعد التنفيذ. 

كل هذه التكتيكات تؤكد أن القسام حوّل رفح إلى جغرافيا غير آمنة، حيث فقد الاحتلال ميزة المبادرة، وأصبح يتحرك وفق معادلة: "ادخل، تحصن، وكن مستعداً لأن تنفجر بك الأرض".

 كمائن مفاجئة 

ويقدّر محللون عسكريون أن فصائل المقاومة الفلسطينية ستكثف من عملياتها النوعية في المرحلة المقبلة، مستفيدة من معرفتها الدقيقة بالميدان وقدرتها على تنفيذ كمائن مفاجئة، مما يصعب على الجيش الإسرائيلي فرض سيطرته الكاملة، رغم تفوقه التكنولوجي والجوي.

ويضيف هؤلاء أن الجيش يعاني فجوة استخباراتية واضحة، في ظل عدم قدرته على تحديد مواقع المقاومة بدقة، ما يفسر كثافة الضربات الجوية التي لا تحقق أهدافًا إستراتيجية حاسمة، بل تزيد من فوضى الأرض وتكشف ارتباكه الميداني.

هذا ما أكده أيضًا محلل الشؤون العسكرية في موقع "والا"، أمير بوحبوط، الذي أشار إلى أن المؤسسة الأمنية ترصد تغيرًا واضحًا في أنماط القتال لدى حماس، التي باتت تعتمد تكتيكات جديدة تتسم بالجرأة والمباغتة، مما يزيد من صعوبة المواجهة في الميدان، ويضع الجيش في حالة من الترقب الدائم.

ويضيف بوحبوط أن جهات أمنية إسرائيلية تخشى تكرار العمليات المباغتة، كالتي أوقعت قتلى مؤخرًا،.
في المقابل، يرى يوآف زيتون، المراسل العسكري لصحيفة "يديعوت أحرونوت"، أن الانشغال بالغارات على رفح سمح بظهور كمائن مسلحة في مناطق أخرى من القطاع، ما دفع هيئة الأركان بقيادة إيال زامير إلى إصدار تعليمات للقوات بتجنّب المواقع الأمامية، خصوصاً قرب الشجاعية وخان  يونس ورفح .

ويحذر زيتون من أن المقاومة باتت قادرة على مراقبة نحو 15 موقعًا عسكريًا ثابتًا رغم نشر وحدات احتياط مدربة ودبابات وطائرات استطلاع، ما يكشف ضعف السيطرة الأرضية ويُبرز عمق الأزمة التكتيكية ( الإسرائيلية).

 خسائر 

كل هذه المعطيات تضع الجيش (الإسرائيلي) أمام معضلة أمنية مركبة: المضي في تصعيد بري محفوف بالخسائر، أو الوقوع في فخ حرب استنزاف طويلة داخل بيئة معادية لا تمنحه أي تفوق فعلي على الأرض.

أخطر ما في هذه الكمائن ليس فقط القتل، بل ما تزرعه في نفوس الجنود والقادة (الإسرائيليين). الجندي اليوم لا يثق في أي شيء: لا في الجهاز، ولا في الخريطة، ولا في تقديرات قادته. هذا الانهيار المعنوي لا يُقاس بعدد القتلى، بل في تردد القيادات، وتصاعد الأصوات الغاضبة داخل وحدات المشاة والاحتياط التي ترى نفسها تُدفع إلى المجهول دون غطاء حقيقي.

وفي عمق هذه المعركة الميدانية، تتشكل أزمة أوسع تمس الثقة بالمؤسسة العسكرية والسياسية في "إسرائيل"، وتطرح علامات استفهام حول جدوى استمرار الحرب، خاصة في ظل تصاعد الضغوط الدولية وتآكل الدعم الأميركي مع اتساع نطاق الجرائم المرتكبة في رفح.

في المحصلة، كمائن رفح ليست مجرد فخاخ ميدانية، بل أدوات ضغط إستراتيجية، تقلب المعادلات العسكرية، وتعيد تعريف السيطرة، وتفرض على الاحتلال معركة استنزاف مفتوحة تُدار بإرادة مقاومة تعرف الأرض وتملك الوقت… وتراهن على كسر الجيش قبل كسر الحجر.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير