بينما يواصل الاحتلال (الإسرائيلي) عدوانه الهمجي والإرهابي على قطاع غزة، يشتد الخناق عليه دوليًا بصورة غير مسبوقة.
فما بين الهجمات المتصاعدة التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية ضد الملاحة المرتبطة بـ(إسرائيل)، والحراك القانوني والسياسي المتسارع في العواصم الأوروبية، تتسع دائرة التضامن العملي مع غزة، وتتراكم مؤشرات العزلة ضد الكيان المحتل، لتؤكد أن المعركة لم تعد محصورة في الجغرافيا الفلسطينية، بل تحوّلت إلى مواجهة أممية متعددة الأدوات والجبهات.
أبرز تجليات هذا التضامن الميداني برزت في العمليات النوعية التي تنفذها القوات المسلحة اليمنية في قلب الكيان عبر الضربات الصاروخية المتلاحقة .
تحت شعار "نصرة غزة"، تمكنت هذه القوات من فرض واقع جديد في واحد من أهم الممرات البحرية العالمية، حيث أجبرت الاحتلال على تغيير مسارات الشحن والتصدير، ملحقة به خسائر اقتصادية ولوجستية فادحة.
واستطاعت اليمن – من أقصى جنوب الجزيرة العربية – أن تنقل المعركة من تخوم غزة إلى مضيق باب المندب، لتجعل السفن (الإسرائيلية) أهدافًا غير آمنة.
وبلغ تأثير هذه الهجمات حدّ إغلاق موانئ (إسرائيلية) عدة، وتأجيل أو إلغاء عدد كبير من الرحلات الجوية، في دليل عملي على فاعلية هذا النوع من الإسناد العسكري غير التقليدي.
موانئ مشلولة
وتشهد موانئ (إسرائيل)، وعلى رأسها ميناء إيلات، حالة شبه شلل منذ أشهر، دفعت الاحتلال إلى البحث عن بدائل مكلفة ذات جدوى محدودة.
ولم تقف التأثيرات عند الموانئ، بل طالت شركات الشحن العالمية الكبرى – مثل "ميرسك" و"هاباغ لويد" – التي علّقت أنشطتها أو أعادت توجيه مساراتها بعيدًا عن مرافئ الكيان، مُضطرة إلى المرور عبر رأس الرجاء الصالح، ما ضاعف من الكلفة وأربك السوق (الإسرائيلية).
وفي موازاة ذلك، ومع تصاعد التهديدات الجوية، قررت شركات طيران عالمية – خصوصًا الأوروبية منها – تقليص رحلاتها إلى مطار بن غوريون، فيما أوقف بعضها الرحلات بالكامل، مما عمّق الشعور بأن (إسرائيل) لم تعد وجهة آمنة للسفر أو الاستثمار.
ولم تعد غزة تقاتل وحدها. هذه المرة، اصطف خلفها شارع أوروبي بكامل هيئته: جامعات، نقابات، برلمانات، وميادين تغص بلافتات “الحرية لفلسطين”.
وفي مشهد غير مسبوق منذ عقود، بدأت أوروبا – ولو ببطء – تخرج صوتها من تحت ركام المصالح، وتمنحه لقضية ظلت لعقود مغيبة عن دوائر الفعل السياسي الجاد.
ولم يعد التضامن يُقاس بالشعارات أو الوقفات الرمزية، بل انتقل إلى خطوات ملموسة: عشرات الجامعات الأوروبية أعلنت تعليق التعاون الأكاديمي مع مؤسسات (إسرائيلية)، نقابات عمالية تطالب بوقف تصدير السلاح، وكتل برلمانية تضغط داخليًا لتقويض دعم حكوماتها الأعمى لتل أبيب.
زلزال قانوني في لندن
وفي تحرك لافت، وقع 800 محامٍ وقاضٍ وأكاديمي قانوني بريطاني عريضة تطالب حكومة المملكة المتحدة بفرض عقوبات على قادة الاحتلال، استنادًا إلى جرائم حرب ارتُكبت في غزة.
الخطوة لا تحمل رمزية فقط، بل ترتكز على حجج قانونية راسخة تستند إلى اتفاقيات جنيف ومبادئ القانون الدولي الإنساني.
اللافت في هذا الحراك أنه يصدر من نخب مؤسساتية داخل دولة تُعد من أبرز حلفاء (إسرائيل)، مما يعكس تحوّلًا تدريجيًا في المزاج القانوني والسياسي الأوروبي، بعيدًا عن السرديات الدعائية (الإسرائيلية)، ونحو مساءلة حقيقية تشبه بدايات العزل التي طالت نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
وبرز في هذا السياق الموقف الإيرلندي، الذي تخطى البيانات التقليدية إلى مواقف عملية، حيث طالبت الحكومة الإيرلندية بحظر استيراد منتجات المستوطنات (الإسرائيلية)، باعتبارها غير شرعية وفق القانون الدولي.
إيرلندا، التي تحمل في ذاكرتها تجربة مريرة مع الاحتلال البريطاني، تقدم اليوم نموذجًا لدولة أوروبية تتخذ موقفًا أخلاقيًا واضحًا، وتفتح الباب أمام موجة تشريعات مشابهة داخل الاتحاد الأوروبي
يرى رئيس "المجلس الأوروبي الفلسطيني للعلاقات السياسية"، ماجد الزير، أن أحد أبرز عوامل التغيّر في الموقف الأوروبي تجاه الاحتلال (الإسرائيلي) يعود إلى الحراك الشعبي المتصاعد والمتنوع في 20 دولة أوروبية ما شكّل ضغطًا مباشرًا على حكومات القرار.
وأشار الزير إلى أن هذا الحراك ترافق مع تحركات قانونية دولية، خصوصًا من محكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات، التي باتت تُجرّم أي طرف ثالث يقدّم دعماً مباشراً للاحتلال، ما زاد من الحرج السياسي والأخلاقي للأنظمة الغربية.
وفي السياق ذاته، شدد القائم بأعمال رئيس "المنتدى الفلسطيني" في بريطانيا، عدنان حميدان، على أن الحراك الشعبي هو "الوقود الحقيقي لهذا التحول"، إذ نجح في تحويل القضية الفلسطينية من ملف سياسي تقليدي إلى قضية إنسانية تمسّ الضمير الأوروبي العام.
وأوضح حميدان أن التظاهرات الكبرى، والحملات الطلابية، وبيانات مؤسسات المجتمع المدني، خلقت حالة وعي جماهيري جديدة أحرجت الحكومات الغربية، وقلّصت قدرتها على مواصلة الصمت أو التواطؤ كما كان الحال سابقًا.
ما تشهده الساحة الدولية ليس مجرد تفاعل عاطفي مع مأساة إنسانية، بل هو تحول جوهري في الموقف العالمي من الاحتلال. غزة، التي لطالما قُدمت كضحية، تثبت اليوم أنها مركز اشتباك عالمي، قادر على تحريك مياهاً راكدة، وكسر احتكار السردية، بل وفرض كلفة متزايدة على الاحتلال وحلفائه.
من البحر إلى البر، ومن المحكمة إلى الشارع، يتبلور محور تضامن عملي، لا يُخيف (إسرائيل) فقط، بل يعيد تعريف طبيعة الصراع الفلسطيني – الصهيوني كقضية تحرر إنساني أممي.