في ظل استمرار العدوان الإسرائيلي الشرس على قطاع غزة، وتعمّق المأساة الإنسانية على كافة المستويات، حذّرت حركة المقاومة الإسلامية "حماس" من بلوغ الأوضاع مرحلة حرجة تنذر بكارثة إنسانية شاملة، مؤكدة أن المجاعة باتت تهدد حياة أكثر من مليونين وربع المليون فلسطيني، نصفهم من الأطفال.
منذ بداية الاجتياح الإسرائيلي للقطاع في السابع من أكتوبر 2023، يعيش السكان في ظل حصار خانق وحرمان ممنهج من أبسط مقومات الحياة.
ومع دخول العدوان شهره العشرين، تؤكد تقارير ميدانية أن مظاهر المجاعة لم تعد مقتصرة على الشمال بل امتدت جنوبًا، وصولًا إلى أماكن النزوح في خانيونس ودير البلح.
أطفال بأجساد هزيلة، أمهات يبحثن عن فتات الطحين، وعائلات بأكملها تعيش على الماء وورق الشجر في بعض المناطق، في مشهد يُعيد إلى الأذهان مآسي الحصار العراقي ومجاعات إفريقيا. وبحسب بيانات منسق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية (أوتشا)، فإن القطاع لم يتلقَّ سوى "فتات" من المساعدات، رغم الاحتياجات الهائلة للسكان.
المساعدات.. أداة ضغط سياسي
ورغم الإعلان الإسرائيلي عن فتح معابر محدودة والسماح بدخول بعض القوافل، إلا أن الواقع على الأرض يكشف تلاعبًا متعمدًا في كميات ونوعية المساعدات، ما يُظهر بوضوح – بحسب مراقبين – سعيًا لتحويل المساعدات من عمل إنساني إلى أداة سياسية تُستخدم للابتزاز والضغط على سكان غزة ومقاومتها.
فالقوافل التي دخلت عبر آلية "الشركة الأمريكية" على سبيل المثال، أثبتت فشلها الكامل، وسط اتهامات باستخدام نقاط التوزيع لتجنيد العملاء، أو تسريب معلومات عن أماكن المقاومة، الأمر الذي ساهم في فقدان الثقة الشعبية بهذه الآلية، ودفع الكثيرين للعزوف عن تلقي المساعدات من تلك النقاط رغم الجوع القاتل.
في هذا السياق، طالبت "حماس" في بيانها الأخير مجلس الأمن الدولي بتحمّل مسؤولياته، ووقف ما وصفته بـ"العدوان الفاشي"، داعية إلى كسر الحصار فورًا، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية عبر آليات أممية شفافة.
كما دعت الحركة الدول العربية والإسلامية إلى التحرّك الفعلي لإنقاذ الشعب الفلسطيني من مجازر الإبادة والمجاعة، معتبرة أن الصمت الرسمي العربي والدولي "شراكة ضمنية" في ما يجري على الأرض.
وأكدت "حماس" أن ما يدخل من مساعدات إلى القطاع ليس سوى "قطرة في محيط الاحتياج الإنساني"، مشيرة إلى أن الاحتلال يستخدم "التجويع" كأداة لإخضاع الشعب الفلسطيني، وفرض واقع سياسي يخدم مصالحه.
وجاء في البيان: "إن ما نشهده من آليات لإدخال المساعدات الإنسانية إلى القطاع يُعَدُّ تلاعباً إجرامياً بالاحتياجات الإنسانية للمدنيين الأبرياء، عبر إدارة التجويع واستخدامه سلاحاً لمحاولة إخضاع إرادة شعبنا."
ودعا كل الفعاليات الشعبية والأصوات الحرة وأحرار العالم، إلى تكثيف الحراك المتضامن مع شعبنا في قطاع غزة، وتصعيد الضغط بكل الوسائل المتاحة حتى وقف العدوان ورفع الحصار وإنهاء سياسة التجويع.
في وقت يلتزم فيه العالم صمتًا مريبًا أمام مأساة غزة، تتصاعد أصوات الداخل والخارج المحذرة من كارثة إنسانية هي الأكبر في تاريخ الصراع. وبين مشهد أطفال يتساقطون من الجوع، ومقاومة تؤكد استمرار صمودها، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ينقذ الضمير الإنساني ما تبقى من حياة في غزة، أم أن المجاعة ستُضاف إلى سجل الجرائم التي أُديرت بصمت؟