بينما تتصاعد مشاهد الدم والمجازر في قطاع غزة، حيث أُبيدت عائلات بأكملها واستُهدف الصحفيون عمداً لإسكات الرواية الفلسطينية، تفجّرت فضيحة مدوية بطلتها جلاء أبو عرب، المحررة المسؤولة في موقع “دوز” الإخباري في نابلس، وذلك بعد انكشاف مشاركتها في لقاء تطبيعي إلى جانب شخصيات إسرائيلية في السويد والدنمارك خلال الفترة من 1 إلى 5 يونيو.
هذه المشاركة، التي تأتي على وقع صراخ الأطفال في غزة تحت الأنقاض، لم تمرّ مرور الكرام، وفتحت باباً من الغضب الشعبي والمهني، لا سيما أنها جاءت برعاية مؤسسة إسرائيلية تُعنى بما يُسمى "الحوار الفلسطيني-الإسرائيلي"، وسط صمت غير مبرر من نقابة الصحفيين الفلسطينيين.
صحفيون فلسطينيون في حضن التطبيع
وفقاً للوثائق والصور التي تم تسريبها، فقد ضم اللقاء التطبيعي عددًا من الشخصيات الإسرائيلية المعروفة، من بينهم عيالا متسجر، زوجة أسير إسرائيلي قُتل في غزة، وأخيّا شاتس، مؤسس منظمة "فاك ريبورتر" ذات العلاقة الوثيقة بجهاز الأمن الإسرائيلي، بالإضافة إلى مشاركين فلسطينيين أبرزهم: جلاء أبو عرب – رئيسة تحرير موقع “دوز” الإخباري. إيناس عودة – من كفر ياسيف. ثابت أبو راس – من النقب، وهو المدير السابق لشبكة “مبادرات إبراهيم” التطبيعية.
ورغم محاولات ترويج اللقاء على أنه جزء من "التواصل المدني"، فإن حقيقته فضيحة أخلاقية ومهنية وتطبيع إعلامي فجّ مع الاحتلال.
"دوز": من منصة فقدان أشياء إلى منبر للتنسيق الأمني
موقع “دوز”، الذي بدأ كمشروع محلي للإبلاغ عن المفقودات، سرعان ما تحول إلى واجهة إعلامية ذات توجهات سياسية منحازة لأجندة السلطة وأجهزة التنسيق الأمني، مع خطاب تحريضي ضد المقاومة، وتجاهل شبه تام لما يحدث من جرائم في غزة.
يُشار إلى أن “دوز” كان واحدًا من 22 مؤسسة إعلامية في الضفة الغربية حصلت في نوفمبر 2024، إلى جانب 8 مؤسسات من غزة فقط، على منحة بقيمة مليون دولار لدعم الإعلام في القطاع، بتمويل من الاتحاد الدولي للصحفيين، وبتنسيق من نقابة الصحفيين الفلسطينيين.
وهنا يتساءل كثيرون: كيف يُمنح الدعم لمؤسسات تشارك في لقاءات تطبيعية، بينما يُترك مئات الإعلاميين في غزة لمصيرهم تحت القصف؟!
نقابة الصحفيين في قفص الاتهام
في منشور شديد اللهجة، كتب الناشط الحقوقي د. رامي عبده، رئيس المرصد الأورومتوسطي، ما نصّه: "لم أفهم ما هي علاقة نقابة الصحفيين الفلسطينيين بالدفاع عن نشاط تطبيعي. تواصلت معي سيدة تدعى رانيا أمين الحمد الله، ويبدو أنها عضوة في النقابة، تارة عبر الرسائل وتارة باتصال هاتفي وتارة عبر الواتساب، لتبدأ حديثها بأنها لا تعلم شيئًا عن النشاط التطبيعي الذي يبدو أن عضوة في النقابة تشارك فيه..."
ويتابع عبده: "ثم بطريقة استخفاف، تسأل: أين الدعوة؟ وأجبتها أن الدعوة منشورة عبر صفحتي، ثم سألت وهل تعطيني تفاصيل كيف حدث الاجتماع؟ لينتهي الحال بأن تقول إن المعلومات لديك غير صحيحة. مشكلة هؤلاء أنهم لا يدرسون الشخص الذي يتواصلون معه ولا مدى إلمامه بالأمر. هذا منشور لفت انتباه، المرة القادمة سيجدون مني ما لا يسرهم."
هذه التصريحات تُسلّط الضوء على خلل بنيوي في آليات الرقابة داخل النقابة، وتحولها – وفق مراقبين – من جسم مهني إلى أداة بيروقراطية تُمارس التستر على ممارسات مشبوهة.
بين تمويل مشروط وتواطؤ إعلامي: من يحاسب؟
التحقيق في خلفيات مشاركة "دوز" يقود إلى تساؤلات أخطر: هل تم تمويل المنصة المذكورة لمعالجة الشأن الإنساني في غزة، أم للترويج لأجندات موجهة؟ وهل تدرك الجهات المانحة، بما فيها الاتحاد الدولي للصحفيين، أن أموالها تذهب لدعم مؤسسات تُجري لقاءات تطبيعية تحت غطاء العمل المدني؟
الواقع الإعلامي الفلسطيني يعيش لحظة مفصلية؛ فبينما استشهد أكثر من 220 صحفيًا في غزة خلال الحرب فقط، يجد آخرون في الضفة فرصة لاستثمار هذه المعاناة في مشاريع ناعمة وتطبيعية قد تكون أخطر من الرصاص.
ما جرى ليس زلّة فردية أو موقفًا اجتهاديًا، بل نشاط مؤسسي واضح يرقى إلى مستوى الخيانة المهنية والوطنية، ويجب أن يواجه بإجراءات حازمة من الجهات المختصة، وعلى رأسها نقابة الصحفيين والهيئات الوطنية.
في ظل ما تعيشه فلسطين من حرب وجود، يجب أن يُعاد تعريف دور الصحفي الفلسطيني: هل هو ناطق باسم الحقيقة والمقاومة؟ أم مجرد موظف يسوّق لمشاريع تصفوية مغلفة بشعار “الحوار”؟
الأسئلة معلّقة، لكن الردّ يجب أن يكون من الشعب أولاً… ومن النقابة، إن تبقّى فيها ما يستحق الاحترام.