خانيونس تتحول إلى مقبرة للآليات

تحليل: تفوق استخباراتي وميداني للقسام في عمق مناطق توغل جيش الاحتلال

غزة - خاص الرسالة نت

في ضربة قاسية جديدة لجيش الاحتلال، بثّت كتائب القسام أول أمس الأربعاء، مشاهد لكمين مركّب استهدف ناقلتي جند (إسرائيليتين) قرب منطقة معن جنوب خانيونس، ما أسفر عن مقتل ضابط وستة جنود. العملية التي كشف عنها القسام تأتي في توقيت بالغ الأهمية، خاصة بعد سلسلة من العمليات المركّبة التي نُفّذت خلف خطوط جيش الاحتلال في منطقة خانيونس خلال أقل من أسبوع.

إذ تعيد العمليات المركّبة والنوعية التأكيد على أن زمام المبادرة ما زال في يد المقاومة، وعلى رأسها القسام، بعد أن أثبتت طبيعة الكمين المركّب الذي نُفّذ من حيث التخطيط والدقة والتنفيذ، حالة الاستنزاف التي يعيشها الاحتلال في قطاع غزة.

حيث تحوّلت مدينة خانيونس، التي تشهد قتالًا شرسًا من المقاومة، إلى واحدة من أعقد جبهات القتال، خاصة أنها شهدت مرارًا كمائن مماثلة كبّدت الاحتلال خسائر فادحة، من خلال استخدام المقاومة تكتيكات عسكرية ميدانية تُربك حسابات الجيش (الإسرائيلي) في المناطق "الآمنة" التي يتمركز بها، وهي بطبيعتها تكون تحت الغطاء الناري المكثف.

تفوق مقاتلي القسام!

الخبير العسكري اللواء فايز الدويري، اعتبر أن تفجير الآليتين (الإسرائيليتين) في مدينة خانيونس جنوب قطاع غزة، عملية مركّبة أظهرت تفوق مقاتلي المقاومة على أنفسهم، وشكلت ضربة قوية لجيش الاحتلال، الذي يعمل في المدينة منذ شهور دون أن يستطيع القضاء على القسام. وفي تحليل للجزيرة، يقول اللواء الدويري: "إن الكمين جرى في منطقة عمليات، مما يعني أنه تطلّب أيامًا من الإعداد والمراقبة، فضلًا عن أنه نُفّذ بأقل عدد ممكن من المقاتلين، مع وجود آخرين للقيام بمهام أخرى".

ويرى أن مقاتلي القسام استغلوا لحظة فارقة عندما نزل آمر الآلية من فتحتها وترك باب الناقلة مفتوحًا، لأن هذا وفّر فرصة إلقاء العبوة بداخلها مباشرة، بدلًا من وضعها أسفلها، حيث تتطلب هذه العملية جرأة كبيرة جدًا من مقاتل القسام الذي نفّذ العملية بأعلى درجات الثبات.

وألقى أحد مقاتلي القسام، مساء الاثنين، عبوة "شواظ" في قمرة إحدى الآليتين، وهي عبوة تتطلب سحب صاعقها قبل تفجيرها مباشرة، وألصق المقاتل الآخر عبوة "العمل الفدائي" بجسم الناقلة الثانية.

ونفّذ العملية مقاتلون ينتمون للواء خانيونس، الذي أعلن الجيش (الإسرائيلي) سابقًا اغتيال قائده مهدي كوارع، وهو نفسه الذي اشتبك مع قوات الاحتلال خلال توغّلها في المدينة في وقت سابق من الحرب.

تحول نوعي في تكتيكات المقاومة!

رامي أبو زبيدة، باحث في الشأن العسكري والأمني، يرى أن كمين خانيونس المركّب هو تحوّل نوعي في تكتيك المقاومة، حيث لم تعد الكتائب تكتفي بالتفجير من مسافة بعيدة، بل باتت تزرع العبوات داخل آليات جيش الاحتلال، وهذا هو مزيج "التخفي + المباغتة + العمق".

واعتبر الباحث زبيدة في حديث لـ"الرسالة"، أن وصول المقاتل إلى قمرة قيادة الآلية وهي نشطة أو في بيئة عمليات دون كشفه، هو انهيار في هندسة الحماية ونقاط الرصد، وفشل استخباراتي للاحتلال.

ويشير إلى أن هيبة الاحتلال تتآكل، خاصة بعد بثّ القسام مشاهد حرق الآلية بكامل طاقمها، ما أجبر الطيران على التحليق لساعات خوفًا من كمين جديد، ما يؤكد أن الاحتلال لا يملك سيطرة حتى على أرضٍ يحتلها ناريًا.

ومنذ السابع من أكتوبر، تبنّت كتائب القسام تكتيك الهجمات المباغتة والكمائن المحكمة، معتمدة على تفجير الآليات وتفخيخ الشوارع والمنازل، وشنّ عمليات من الأنفاق، ما يدل على جهوزية قتالية عالية واطلاع دقيق على تحركات قوات الاحتلال داخل الأحياء السكنية.

تحديد نقاط ضعف الآليات!

وبالعودة إلى الباحث زبيدة، الذي يشير إلى أنه رغم أن ناقلات الجند والمدرعات (الإسرائيلية) مجهّزة بمنظومات حماية متقدّمة مثل الكاميرات الحرارية، والحساسات، وأنظمة الإنذار المبكر، بل أحيانًا منظومات دفاع نشط مثل "تروفي"، إلا أن المقاومة استطاعت اختراق هذه المنظومات، ليس بالصواريخ أو القذائف فقط، بل بزرع عبوات ناسفة داخل قمرة القيادة نفسها كما حدث في كمين خانيونس.

ويوضح أن هذا النوع من العمليات يدل على أن المقاومة استطاعت تحديد نقاط ضعف هندسية وتكتيكية في هذه الآليات، واستثمرت في رصد ميداني دقيق ومسارات تسلل خفية، غالبًا عبر شبكة أنفاق، أو تموضع ميداني في نقاط عمياء تغفل عنها الكاميرات وأجهزة الاستشعار.

حديث الباحث أبو زبيدة يتوافق مع ما يقوله الخبير العسكري حاتم كريم الفلاحي، الذي يرى أن المقاومة تركّز خلال ضرباتها وكمائنها النوعية على القوات الأكثر أهمية للجيش (الإسرائيلي)، وهي فرق الهندسة، من خلال دراسة نقاط الضعف لهذه القوات العاملة في الميدان.

ويشير الخبير الفلاحي إلى أن استهداف المقاومة للفرق الهندسية يشكّل عبئًا كبيرًا على القوات (الإسرائيلية)، باعتبارها المعنية بفتح الطرق وإزالة الألغام والعوائق أمام تقدم القطاعات الآلية والمدرعة وقوات الكوماندوز.

ويوضح أن استهداف هذه الفرق الهندسية "لا يؤمّن عملية تقدم للقطاعات الأخرى، مما يؤخّر الخطة بشكل كبير جدًا"، كما أن تعويض القطاعات الاختصاصية أثناء المعركة "صعب جدًا".

إهمال جسيم!

وفي ذات السياق، نقلت صحيفة "يديعوت أحرونوت" عن بيان لأهالي الجنود الذين قُتلوا في كمين خانيونس، قولهم: "إن أبناءهم كانوا ضحايا إهمال جسيم، وإنهم يشعرون بالصدمة والهلع من التهور الذي انكشف في الحادث الخطير والمروّع".

وأضاف البيان أن "هذا الحادث كان من الممكن تفاديه"، و"من غير المعقول أن تكون الكتيبة التي ينتمي إليها الجنود القتلى هي الوحيدة في الجيش (الإسرائيلي) التي لا تزال تستخدم معدات قديمة ومعيبة وعاجزة".

كما أن المركبات التي يتنقل بها جنود فرقة المشاة 605 في ساحة المعركة غير مجهّزة بكاميرات بزاوية 360 درجة من جميع الجوانب، بينما تحتوي المركبات العسكرية الأخرى، بما فيها المركبات المدنية العادية، على تلك المعدات الأساسية.