في توقيتٍ يحمل رمزية شديدة، كشفت كتائب القسّام عن مشاهد مصوّرة ضمن سلسلة عملياتها التي أطلقت عليها اسم "حجارة داود"، تظهر إغارة مباشرة على تجمع لجنود وآليات إسرائيلية شرق خانيونس، ومحاولة أسر جندي قبل أن يُقتل، وسط اشتباك مباشر وعن قرب مع قوات الاحتلال.
ما إن بثّت قناة الجزيرة المقطع حتى هزّ المشهد الإعلامي والسياسي والأمني في (إسرائيل)، وأعاد خلط الأوراق بشأن حقيقة السيطرة الميدانية في قطاع غزة بعد قرابة عامين من الحرب.
المشاهد التي عرضتها قناة الجزيرة – بتوقيت محسوب – كشفت تفاصيل عملية جريئة: مجموعة من عناصر القسام تهاجم بشكل مباشر تجمعًا لجنود الاحتلال شرق عبسان الكبيرة، وتستهدف آليتين عسكريتين وباقرين، ثم تحاول أسر أحد الجنود الإسرائيليين بعد إخراجه من الآلية. الاشتباك كان عنيفًا وسريعًا، وانتهى بقتل الجندي واستحواذ القسام على سلاحه، قبل انسحاب مقاتليه دون إصابات ظاهرة، وفق المقطع.
اللافت أن كتائب القسام لم تعرض فقط نتائج العملية، بل أظهرت كيف أدار مقاتلوها الاشتباك، مما يعكس حالة ميدانية لم تتآكل رغم القصف المتواصل على غزة. هذه الرسالة لم تغب عن الإعلام العبري، الذي وصف المشاهد بـ"المرعبة"، وانتقد التغطية الإسرائيلية السابقة التي حاولت تصوير الجندي على أنه قاتل بشراسة قبل أن يُقتل، بينما أظهر الفيديو أنه فرّ من الآلية ووقع سريعًا.
ردود الأفعال في الإعلام العبري كانت صادمة ومشحونة، فمواقع عبرية مثل "واينت" و"يديعوت أحرونوت" أقرّت بأن الفيديو يفنّد الرواية الرسمية للجيش، بينما سخرت منصات يمينية من القيادات العسكرية، مشيرة إلى أن "حماس ما زالت تملك القدرة على أسر جنود رغم مرور عامين على الحرب"، وكتبت تعليقات وُصفت باللاذعة حملت رئيس الأركان وقادة الوحدات مسؤولية "الذلّ والصدمة".
أحد أبرز التحليلات العبرية لخص الدرس الذي قدّمه الفيديو بجملة: "الإعلام في إسرائيل يكذب، والميدان يفضح".
رسائل استراتيجية وأمنية
محاولة أسر الجندي (حتى وإن لم تكتمل) تحمل أبعادًا أكبر من مجرّد مشهد ميداني:
رسالة للداخل الإسرائيلي: أن جنودهم باتوا هدفًا سهلًا، وأن أي عملية ميدانية قد تتحوّل إلى خسارة رمزية ومعنوية، لا سيما مع استهداف آليات مدرعة يفترض أنها محصنة.
رسالة للقيادة السياسية والعسكرية: أن الحديث عن "تفكيك حماس" بات هشًا أمام مشهد من بضع دقائق فقط.
رسالة للمقاومة ومناصريها: أن "القسام" ما زالت تمتلك القدرة العملياتية، وأن تكتيك "الكمائن القريبة ومحاولات الأسر" ما زال حيًا.
رسالة المفاوضين: أن لدى القسام قرار بأسر جنود إسرائيليين، وإن لم تفلح هذه المرة، لربما تنجح المرة القادمة، ما يشكل ضغطا على الاحتلال الإسرائيلي الذي يتعنت حول شروط الصفقة.
حرب نفسية وكسر صورة الردع
تأتي هذه العملية في سياق سلسلة من الكمائن والهجمات التي أعلنت عنها المقاومة الفلسطينية مؤخرًا، خاصة بعد كمين بيت حانون الذي قتل فيه 5 جنود من كتيبة "نيتسح يهودا". والرسالة هنا تتجاوز الميدان إلى الحرب النفسية، فالجيش الإسرائيلي بات يواجه أزمة ثقة داخلية بسبب الفجوة بين ما يُقال للإسرائيليين وما تكشفه الصور.
تكمن أهمية مشاهد "حجارة داود" في التوقيت والمضمون: فهي جاءت بعد سلسلة تقارير إسرائيلية تحاول تصوير "انهيار حماس"، وسبقت بيوم واحد تقارير عن تمديد الخدمة الإلزامية في الجيش، ما يشير إلى أزمة ثقة وإرهاق ميداني.
في المقابل، تقدّم القسام مشاهد مصوّرة تقول فيها للعالم: "ما زلنا هنا، ونهاجم، ونحاول الأسر".