في ليلٍ غزاويٍ جديدٍ أثقله القصف والفقد، تعالى صراخ الأمٍ المذبوحة في شارع الثورة وسط مدينة غزة فاطمة الزق، المرأة التي خبرت الزنازين والحرمان، وهي تحتضن بقايا رائحة ابنها يوسف.. ذاك الطفل الذي وُلد داخل أسوار السجن (الإسرائيلي)، ليُستشهد بعد 17 عامًا في شقته المستهدفة بصاروخ، كأن الاحتلال أصرّ على ملاحقته.
كانت فاطمة قد اعتُقلت عام 2007 أثناء توجهها للعلاج من غزة، لم تكن تعلم آنذاك أنها تحمل في أحشائها حياة جديدة، اكتشفت حملها وهي خلف القضبان، وحينها بدأ فصل جديد من المعاناة : أن تنجب، وترضع، وتبكي، وتُربّي في زنزانة ضيقة، باردة، بلا فراش أو دواء أو دفء.
في إحدى زوايا تلك الزنزانة، وعلى ضوءٍ خافت يتسلل عبر نافذة ضيقة، أنجبت فاطمة طفلها يوسف، وأسمته تيمّنًا بنبيّ السجن والمحنة، يوسف عليه السلام. قالت يومًا: "كان النور الذي أنار عتمة الزنزانة، وكان أنيسي في وحدتي، ورفيق كل الأسيرات، كلّ واحدة كانت أمًا له، وكان طفلي هو الطفل الوحيد في سجون الاحتلال آنذاك.".
لم تكن تنام، فصوت تنفسه كان حارس يقظتها، وحرارة جبينه كانت مرآة صحتها النفسية، فإذا ارتفعت، ارتجف قلبها، لكن لا طبيب ولا دواء، فقط صبرٌ وأدعِية. كانت تقيده بذراعيها، وتدفئه بجسدها، وتغني له وسط الأسلاك والحديد.
عامان من القهر رافقتهما دعوات لفرج قريب، حتى جاء اليوم الذي عانقت فيه الحرية بيد، واحتضنت فيه صغيرها بيد أخرى. خرجا معًا عام 2008، ضمن صفقة تبادل، بعدما قضيا ما يشبه دهرًا في الزنزانة. خرجت فاطمة تحمل طفلها الذي تعلّم المشي وأولى كلامته وسط العتمة.
نشأ يوسف في غزة، في بيت حاول استبدال الذكريات المؤلمة بأخرى مليئة بدفء العائلة، لكنّ صاروخًا غادرًا أصابه فجر السبت إلى روحه، لم يمنحه فرصة ليُكمل الحياة التي دفع ثمنها طفلًا. استشهد يوسف، "أصغر أسير محرر في العالم"، وهو ما يزال يحمل آثار القيود التي وُلد فيها.
وعادت فاطمة تبكي، ليس على سجن ولا عتمة، بل على جثمان طفل حملته يومًا في قيدها، وها هي تحمله اليوم شهيدًا.
كانت تمسح على وجهه المسجّى بالكفن، كأنها تودّ أن توقظه من نومه الطويل، تقبّله على جبينه مرارًا، تقرأ عليه آيات كانت تحفظها له في سجنهما المظلم.
ودعت الزق ابنا كان بالنسبة لها الحياة التي نمت وسط السجون، والنور الذي تحدّى الجدران.
لكنّ الاحتلال أراد أن يختم الحكاية بطريقته، أن يصمت صوت يوسف، لكن صمته اليوم صار صرخة، وقصته التي بدأت في الزنزانة، أصبحت عنوانًا جديدًا لوحشية الاحتلال الذي لا يفرّق بين طفل في حضن أمّه، أو فتى يحلم بمستقبل يحقق فيه أحلامه.
ارتقى يوسف حيث لا سجون ولا طائرات مُسيرة، ليثبت للعالم أنه لم يكن رقمًا في قوائم الشهداء، بل كان قصة مكتملة من الألم والصمود، ومرآة تعكس مأساة شعب يولد ويعيش ويموت تحت سطوة الاحتلال.
أما فاطمة، فستبقى حكايتها – كما كانت دومًا – شهادة حيّة على أمومة وُلدت في القيد، ونهاية جعلتها أم الشهيد .