في أحدث تصريحاته المستفزة، خرج الرئيس الأميركي دونالد ترامب ليقول: "لقد قدمنا مساعدات ضخمة لغزة، ولم يشكرنا أحد!". وكأن ترامب ينتظر باقات الورد من أطفال يموتون جوعًا تحت القصف، أو هدايا امتنان من أمهات ينتظرن بقايا خبز على معبر مغلق!
تصريحات ترامب ليست مجرد كلمات، بل طعنة جديدة في جرح مفتوح. فهي تعكس مزيجًا من الانفصال عن الواقع، والتواطؤ العلني مع أبشع حرب إبادة يتعرض لها شعب أعزل في قطاع غزة، حيث لا ماء ولا دواء، ولا طعام ولا مأوى. ثم يأتي ترامب ليتساءل ببرود: لماذا لا يشكرنا أحد؟
ما لا يريد ترامب الاعتراف به، هو أن ذاكرة الشعوب لا تنسى، وأن سجلّه ملطخ بدعم علني ومفتوح لآلة القتل الإسرائيلية. كان أول من اعترف بالقدس "عاصمة لإسرائيل"، وهو الذي شرعن الاستيطان، وقطع الدعم عن وكالة الأونروا، وسوّق لـ"صفقة القرن" التي أرادت تصفية القضية الفلسطينية، وجفف كل مسار إنساني أو حقوقي لدعم شعب يعيش تحت أطول احتلال في العصر الحديث.
ترامب لم يكن يومًا نصيرًا لغزة، بل كان دومًا ظهرًا للاحتلال، ومظلّة سياسية ودبلوماسية لكل ما اقترفه من جرائم بحق النساء والأطفال والمستشفيات والمخيمات. فكيف يتجرأ اليوم على الادعاء بأنه "المحسن الأكبر" لغزة؟!
"مساعدات" مشروطة بالذل والدم
الحقيقة التي يعرفها كل فلسطيني، أن ما تسميه الإدارة الأميركية "مساعدات" هو فتاتٌ مشروط، لا يدخل إلا إذا وافق الاحتلال، ولا يُرسل إلا ضمن أجندات سياسية قذرة. ومتى أُرسلت هذه الأموال أصلاً؟ هل وصلت في ذروة القصف على المستشفيات؟ هل عبرت في لحظات المجازر الجماعية في قطاع غزة؟ أم حين كانت طائرات "إف-16" الأميركية تُحيل البيوت إلى رماد؟
مئات الشهداء سقطوا أثناء بحثهم عن كيس طحين. آلاف الجياع تكدسوا عند ما يُعرف بـ"مصائد الموت" فحصدهم رصاص الاحتلال. فليُخبرنا ترامب: هل هذه هي مساعداته؟ هل هذا هو الكرم الأميركي الذي علينا أن نُصفّق له؟!
غزة لا تشكر قاتليها
لعل الرسالة الأوضح التي يجب أن يسمعها ترامب اليوم هي: غزة لا تشكر من يقتل أبناءها. لا شكر لمن موّل الاحتلال، ولا شكر لمن شرعن الإبادة، ولا شكر لمن طالب بتجويع شعب بأكمله لتركيعه. الشعوب لا تشكر الجلادين، بل تلعنهم، وتنتظر ساعة محاسبتهم.
إن شرفاء العالم، من الملايين الذين خرجوا يهتفون "افتحوا معبر رفح" و"أنقذوا غزة"، لم يكونوا بحاجة لدولارات ترامب، بل طالبوا برفع الحصار، ووقف القتل، واحترام الحد الأدنى من الإنسانية. هؤلاء هم من يستحقون الشكر، لا رجلٍ بنى مجده على الكذب والعنصرية والتطبيع مع القتل.
ماذا قدّمت أميركا لغزة؟ طائرات قصف؟ أسلحة ذكية لقتل الأطفال؟ دعمًا لا محدودًا لحرب التجويع؟ ثم يدّعي من أشعل النيران أنه حمل إلينا دلواً من الماء؟!
الشكر لا يُمنح لمن يشارك في ذبحنا، ولا نُمنّ على أنفسنا بأنيننا. نحن أصحاب حق، وأصحاب كرامة، ولسنا بحاجة إلى صدقةٍ من قاتل، ولا إلى مجاملةٍ من نظام منحاز.