غزة مبتورة من فرحة الثانوية العامة في فلسطين 

غزة - خاص الرسالة نت

منذ الصباح، بدا على سارة العموري شيء من السكون الغريب، لم يكن صمتها من إعياء أو تعب يومي معتاد في غزة؛ فحتى حين أعلنت الإذاعات عن إمكانية دخول دفعة جديدة من المساعدات الغذائية، لم يظهر على ملامحها أي أثر للفرح أو الارتياح. 
كانت تجلس إلى جانب النافذة بصمت، تحدق في الفراغ، كأنها تنتظر شيئًا لن يأتي. لاحظت والدتها ذلك، لكنها لم تسأل، تجاهلت الأم عمدًا الحديث عن نتائج الثانوية العامة، رغم أنها تعرف تمامًا ما يعنيه هذا اليوم لسارة، كانت تحاول أن تحميها من وجعٍ جديد، من خيبةٍ لا تندمل

لكن سارة التي ولدت في عام 2005، لم تنسَ، لم تغفل عن تاريخ اليوم. اليوم الذي كان من المفترض أن يكون “عرسًا وطنيًا” تحتفل فيه فلسطين كلها، من أقصاها إلى أقصاها، بنجاح أبنائها. 
خرجت سارة عن صمتها قائلة:“اليوم كان من المفترض أن تكون الحلوى في بيتنا، وأن يتوافد الجيران للمباركة. كان من المفترض أن أكون أنا إحدى الناجحات، أن أحمل شهادتي، وأستعد للجامعة مثل أي طالب في هذا العالم.”
صمتت قليلاً، ثم أضافت: “اليوم… لا نجد سكرًا لنصنع به الحلوى.”
قالتها، وكأنها تختصر الحصار والحرب والمأساة كلها في غياب قالب حلوى.

في غزة، لم تكن الحلوى مجرّد طقس احتفالي، بل كانت إعلانًا عن انتصار صغير لطالب في بداية، كانت الشوارع في مثل هذا اليوم من كل عام، تمتلئ بروائح البهجة، وبزغاريد الأمهات، وبجولات الصحفيين الذين يوثّقون لحظة لا تُنسى، لحظة نجاح، لحظة أمل.

محمود زعيتر، الإعلامي الذي عايش كل أفراح غزة، كتب على صفحته: “هذا اليوم لم يمر هكذا من قبل. كنا نحتفل في كل بيت، نُجري لقاءات مع الأوائل، تتردد الأغاني الوطنية في كل ركن. لكن هذا العام، غزة غائبة… لا أوائل يُكرّمون، لا طلاب يُحتفى بهم"

نعم، بعض من طلاب غزة التحقوا بالامتحانات بعد لجوئهم إلى مصر، لكن آلافًا من زملائهم ما زالوا تحت القصف، في مدارس أُغلقت وتحولت إلى مراكز إيواء، أو إلى ركام. كثيرون منهم فقدوا أساتذتهم، زملاءهم، بيوتهم، وآخرون فقدوا حتى القدرة على الحلم.

طلاب الثانوية من مواليد 2005 و2006، أولئك الذين كان من المفترض أن يكونوا اليوم في قمّة المجد الدراسي، وقفوا أمام مرآة الغياب.
لم تُمنح لهم حتى الفرصة في أن يُمتحنوا.

في هذا اليوم، وبينما يتصدر أوائل الوطن عناوين الأخبار، هناك طلاب في غزة لا يعرف أحد حتى أسماءهم.
غابت عنهم الفرحة، تمامًا كما غابت مدارسهم، دفاترهم، أحلامهم… ومستقبلهم.