في واحدة من أبشع صور الانتهاك المنهجي للقانون الإنساني الدولي، وثّقت منظمة "بتسيلم" في تقريرها الأخير استخدام الاحتلال الإسرائيلي للتجويع كسلاح حرب مركزي ضد الفلسطينيين في قطاع غزة منذ أكتوبر 2023.
التقرير، الذي حمل عنوان "إبادتنا"، يكشف كيف تحولت السياسات الإسرائيلية من القتل المباشر إلى القتل البطيء عبر الحصار، وتدمير مقومات الحياة، ومنع إدخال الغذاء والماء والدواء، في جريمة ترتقي إلى الإبادة الجماعية بحسب التعريف القانوني الدولي.
يشير التقرير إلى أن النقص الحاد في الغذاء أدى إلى ارتفاع غير مسبوق في سوء التغذية بين الأطفال، لا سيما دون سن الخامسة، والرضع حديثي الولادة.
وكشف أطباء متطوعون في غزة أن معظم الأطفال الذين عاينوهم كانوا يعانون من الإسهال المستمر، والسعال، والضعف العام، مع عجز الأمهات عن الإرضاع بسبب سوء التغذية وفقدان القدرة الجسدية.
في إحدى الرسائل الطبية الميدانية التي استشهد بها التقرير، أفاد أطباء أمريكيون زاروا غزة أن "كل طفل تقريبًا كان إما جائعًا أو مريضًا، وكل أم كانت عاجزة عن توفير أدنى قدر من الغذاء أو الحليب لطفلها".
ووفقًا للأمم المتحدة، فإن غزة تعيش حالة مجاعة متقدمة. ولكن الأخطر، بحسب بتسيلم، أن هذه المجاعة ليست نتيجة عرضية للحرب، بل نتيجة مباشرة لسياسة إسرائيلية متعمدة.
ومن بين الأساليب التي وردت في التقرير:
تدمير ممنهج للبنية التحتية الزراعية، بما في ذلك الحقول والمواشي وآبار المياه.
منع دخول قوافل الإغاثة الإنسانية، وفرض شروط مهينة على توزيع المساعدات، وصلت إلى قصف مراكز توزيع الطعام.
استهداف مخازن الأغذية والمخابز.
تجويع النازحين داخل مناطق قُدّمت كـ"مناطق إنسانية آمنة"، ليكتشفوا لاحقًا أنها مصائد موت.
ويركز التقرير على الوفيات غير المباشرة نتيجة الجوع وسوء التغذية ونقص الرعاية الصحية. ويقدّر أن آلاف الفلسطينيين قضوا خلال الأشهر الأخيرة ليس نتيجة للقصف، بل بسبب سوء التغذية، وتلوث المياه، والإسهال، والعدوى، وغياب المضادات الحيوية، خاصة في أوساط كبار السن والأطفال.
كما تشير تقديرات "صندوق الأمم المتحدة للسكان" إلى أن واحدة من كل ثلاث حوامل في غزة تعاني من مضاعفات، وأن واحدة من كل خمس ولادات تكون مبكرة أو منخفضة الوزن – في ظل شبه انعدام للرعاية الطبية.
عمليات بتر بلا مخدر
من النتائج المروعة لاستخدام التجويع كسلاح، ما وثّقته المنظمة من حالات بتر أعضاء جراء الجروح غير المعالجة، حيث أجريت آلاف العمليات الجراحية في ظروف بدائية، بلا أدوات معقمة أو مخدر، في ظل عجز المنظومة الطبية المحاصَرة.
وأشار أطباء إلى أنهم اضطروا لبتر أطراف مصابة، فقط لأن الجرحى كانوا يعانون من سوء تغذية حاد أدى إلى تعفن الأنسجة وعدم وجود مضادات حيوية.
شهادات تقشعر لها الأبدان
واحدة من الشهادات المؤلمة كانت للفتى أحمد الغلبان (16 عامًا)، لاعب جمباز سابق من بيت لاهيا، فقد ساقيه وأصابع يده خلال قصف منزله، وقال: "لم يعد هناك طعام، لا لحوم ولا خضروات ولا فواكه… فقط عدس وحمص. لم أعد أستطيع التعافي… الجوع يأكل جسدي، كما أكلت القذائف أطرافي."
وفي شهادة أخرى، أوردت أم من رفح أنها فقدت مولودها الذي توفي جوعًا بعد ولادته، بسبب عدم وجود حليب أو حاضنة أو مضادات حيوية.
التجويع كسلاح محرّم
بحسب اتفاقية جنيف الرابعة والقانون الدولي الإنساني، استخدام التجويع كسلاح ضد المدنيين يُعد جريمة حرب. لكن تقرير "بتسيلم" يؤكد أن (إسرائيل) لم تكتف باستخدام هذا السلاح، بل شرعنته عبر قرارات حكومية، وصمت قضائي، وتبريرات عسكرية علنية.
كما يشير إلى أن المنظومة الإسرائيلية – السياسية، والعسكرية، والإعلامية – متورطة جماعيًا في هذه الجريمة، سواء عبر التنفيذ أو التبرير أو الإنكار أو التحريض.
يخلص التقرير إلى أن سلاح التجويع لم يكن نتيجة جانبية لحرب، بل جزء أساسي من حملة إبادة جماعية تستهدف محو المجتمع الفلسطيني في غزة.
ويُعتبر هذا النمط من الإبادة "بطيئًا، لكنه لا يقل فتكًا عن القصف"، وهو أكثر خرقًا للأخلاق والضمير الإنساني، لأنه يُمارَس بينما يشاهد العالم.
دعت منظمة "بتسيلم" في نهاية تقريرها "لوقف سياسة التجويع فورًا، وفتح الممرات الإنسانية دون قيود، وإدخال الغذاء والدواء بشكل عاجل إلى غزة، ومحاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم وفق القانون الدولي."