مقال: لماذا تنتقدون من يساعدكم!

د. أسامة الأشقر

1. إنه من شدة الغفلة ورقاعة العقل وسوء النظر والتدبير أن تتهم من يعينك في زمن الحاجة بالتقصير، وكان الأحرى بك أن تذكره بخيرٍ، وأن تشيد به في كل محفل حتى لو كان عطاؤه يطعم بضع مئات من ملايين، ولا شكّ أن هذا السلوك بتقليل شأن التبرّع يحجب الخير القادم، ويزهّد الناس في استدامة انفتاحهم على الخير نحوك؛ ولا تنتظر الدول التي تدرك واجباتها شكر أحدٍ على مبادرة واجبة في هذا الظرف المُدْلَهِمّ.

2. هذا مبدأ عام لا يُختلف عليه بمقدماته ونتائجه، ولكن المقدمات إذا اختلفت فإن النتائج أيضاً ستتجه صوب محلٍّ آخر، ولا يعنينا في البيان هنا مقاصد هذا العطاء إن كان صادقاً في تعبيره عن التضامن أو كان إجراء لتنفيس الاحتقان الشعبي، أو محاولة لإضفاء التوازن على مشهد غيرِ مَرْضِيّ.

3. ولا علاقة في كلامنا هنا عن الموقف من الطوفان إن كان مؤيداً له أو رافضاً أو محايداً، ولا الموقف ممن صنعوه، وقرروه، وانطلقوا به، وتعاملوا بما يستطيعون مع كل تداعياته الثقيلة هذه بخيرها وشرّها. 

4. المقدمة تبدأ في أن هذا الدعم صغيراً كان أو كبيراً كان شيئاً صغيراً جدّاً أمام استحقاقِ وجوب النصرة العملية في وجه من استباح كل المحرّمات، واستعلى في الدمار إلى حد لم يماثله استعلاء؛ وكان المطلوب الأول هو الانخراط في الإسناد بأي وجه مؤثّر إعلامي أو سياسي إن لم يكن مُسايفةً ومناضلةً.

5. والمقدّمة تبدأ أيضاً ببعض الحقائق الموجعة أنّه إذا كانت بعض هذه الأنظمة تعطيك بيمينها فعليك أن تعرف حجم ما أخذته بشمالها من المناضلين عبر مصادرات واسعة لمقتنيات وأموال سائلة وأملاك واستثمارات مخصصة لإسناد أهل الحاجة والمتضررين في الميدان من الأيتام والأرامل، أو لتشغيل مؤسسات الصمود، أو تعزيز قدرة الرد والمكافحة الميدانية، ولو وصلت إلينا الأرقام عن حجم هذه المصادرات فأخشى أن نصاب بصدمة كبيرة، وعندما يتحدث معهم أحد عنها يقولون إنها قد تضرّ بأمن البلد، وهم كاذبون إذْ يعلمون حقيقتها.

6. ليس هذا فحسب فإن بعض هذه الأنظمة تستثمر أوسع استثمارٍ في جمع المعلومات عن أهل الثغر وتحليلها، وتتفنّن في التجنيد الضارّ، وتبدع في عمليات الاختراق، وتتوحّش في التحقيق مع المناضلين الشرفاء، وتغرّبهم عن أهلهم تغريباً طويلاً مرّة باسم حاجات التحقيق، ومرة باسم القضاء، ومرة باسم المصلحة العامة.

7. لقد تحوّل استهداف أهل الثغر إلى استثمار اقتصاديّ تنبني بنسبة ليست قليلةً منه ميزانيات بعض الأنظمة، وتعتاش منه، وتشغّل المقرّبين فيه، وتقيس به الولاءات، وتشحن به العصبيات، فتحوّل من استثمار اقتصاديّ إلى منتجات سياسية واجتماعية في ممارسات التسلط والنفوذ بإشاعة التخويف مما لا يُخافُ منه، وشيطنة ما هو نبيلٌ جميل، واستعداء الصديق القريب؛ وقد زاد هذا الاستثمار كثيراً بعد الطوفان، وانفتحت لهم مسارات التمويل الخارجيّ التي تثق بقدراتهم المتطورة وخدماتهم الجليلة التي يُضرب بها المثل في مصداقيتها وجدواها.    

8. الإشكال الكبير أن ثمّة اعتقاداً لدى الساسة المتنفذين أن هذا السلوك يجب أن يكون واجباً وطنيّاً، أو هو على الأقل ضريبة يجب دفعها لحماية النظام من التفكك، أو البلد من السقوط؛ ويعتقدون أن هذه المسألة لا يمكن اتخاذ موقف محايدٍ فيها إذا لم يستطيعوا أن يقفوا موقف السيادة والاستقلال والإرادة الحرّة، فهم مستمرون فيها في كل الظروف؛ وهذا يعني أنهم لا يستطيعون أن يكونوا معك إلا إذا اقتنع العدوّ بأنّك كائنٌ صالحٌ أو محايد أو مشروعٌ مفيد يخدمهم.

9. والإشكال الآخر أنّهم ربطوا مصالح الدولة ومؤسساتها بنظام السلطة وغرائزها ولوائحها المنظّمة لنفوذها، فأصبح استهداف النظام ولو بكلمةٍ سواءٍ ناصحةٍ مرادفاً لاستهداف الدولة؛ وأصبحت الكلمة السواء جريمة يعاقب عليها قانون الدولة البريء الذي يتحكّمون في إدارته وتفعيله؛ وقد أدى هذا إلى قناعة النظام بأن مصيره مرتبط بحماية خارجية قوية له، وهي الحماية المرتبطة باستدامة نفعه وخدمته للكيان المزروع إلى جواره حتى لو تضررت مصالح الدولة بأرضها وشعبها وهويتها، وقد يؤدي هذا على المدى القريب في نموّ وعيٍ شعبيّ ينحاز إلى مصالح الشعب والدولة على حساب مصالح النظام الذي لم يعد معبّراً عنهم لاسيما مع تضييق مساحات التعبير وإغلاق النوافذ المفتوحة وانعدام الواجهات المرخّصة وتراجع سيادة القانون وانعدام الثقة بالمرجعيات الناظمة لمكونات الدولة.

10. ومن الإشكالات أيضاً أنهم يعتقدون أن شعوبهم مهما بلغ ولاؤها الظاهر لهم والرغبة الصادقة فيهم فإن قلوبها ومشاعرها مصطفّة مع أهل الحقّ في أرض الثغر، وبالتالي فإن سلوك التبرير هو السائد في نمط إدارة الشعب عندهم، ويحتاجون في زمان الحرج الشديد من مواقفهم والغضب المتعاظم من توجهاتهم أن يكونوا شرسين ولو باستخدام سلاح الوطنيّة في غير محلّه، أو سلاح الولاء في غير موطنه.

11. ومن الإشكالات أيضاً أنهم باتوا في وضعٍٍ وظيفيّ محلّيّ منغلق على ذواتهم الجغرافية، فهم لا يستخدمون نفوذهم المذخور لهم، ولا يسحبون من رصيد الاحتياج الاستراتيجي لهم ليسهموا في وقف العدوان والإبادة، ولم يظهر في ردود أفعالهم أو مبادراتهم أيّ مظهر من مظاهر السيادة والإرادة والاستقلال، بل إن هذه المبادرات باتت تُفهَم على أنها ضمن تفاهمات متفق عليها مع العدوّ وأنها تخدم الوضع الداخلي للأنظمة، وليس لها أيّ امتدادات سياسية.

12. إن أكبر مساعدة تقدمها هذه الأنظمة الآن أن تقف على الحياد السياسي أو الأمنيّ، أو تخفف من جموحها ومبادراتها في التعاون والتنسيق مع العدو وموافقته، ولا بأس عندها أن تمنع أو تنفق فإن للبيت ربّاً يتولّاه، وإن للأمر شأناً يرعاه، وإن للخلق رحمةً من عنده ماضية، والله يوفق للخير من يشاء، ويهديه إليه.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من مقالات