في مثل هذا اليوم من عام 2024، اغتال الاحتلال الإسرائيلي رئيس المكتب السياسي لحركة المقاومة الإسلامية (حماس) إسماعيل عبد السلام هنية (أبو العبد)، في العاصمة الإيرانية طهران، في جريمة نكراء شكّلت امتدادًا لسياسة الإبادة التي يمارسها الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، ومحاولة يائسة لكسر إرادة المقاومة التي تجذّرت في غزة والضفة وكل فلسطين.
ولد هنية عام 1962 في مخيم الشاطئ غرب غزة لعائلة هجّرت قسرًا من بلدة الجورة قضاء عسقلان، ونشأ في بيئة من اللجوء والفقر والمقاومة. التحق بجامعة غزة الإسلامية ودرس الأدب العربي، وهناك انخرط في العمل الإسلامي من خلال الكتلة الإسلامية، وكان من أبرز قياداتها الطلابية.
مع اندلاع الانتفاضة الأولى عام 1987، شارك هنية بقوة في العمل الميداني، واعتقله الاحتلال عام 1989 لمدة ثلاث سنوات، ثم أُبعد إلى مرج الزهور في جنوب لبنان عام 1992 ضمن مجموعة من قيادات حماس والجهاد، وهناك صقلت تجربته السياسية والجهادية بشكل عميق.
بعد عودته إلى غزة، تسلّم إدارة مكتب الشيخ المؤسس أحمد ياسين، وظل قريبًا من قرارات الحركة وميدانها، وبرز لاحقًا كواجهة سياسية لحماس، لما تميز به من خطاب متزن وقدرة على الجمع بين الثوابت والمرونة السياسية.
في عام 2006، فاز بانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني وشكّل أول حكومة فلسطينية منتخبة ديمقراطيًا، لكنه واجه حصارًا سياسيًا واقتصاديًا واسعًا من الاحتلال والسلطة والغرب. وبعد الانقسام الفلسطيني، ظل رئيسًا للحكومة في غزة وقادها خلال ثلاث حروب عنيفة شنّها الاحتلال (2008، 2012، 2014)، وأدارها بحنكة وسط تحديات الحصار والدمار.
انتُخب عام 2017 رئيسًا للمكتب السياسي لحركة حماس، وواصل جولاته السياسية الخارجية، ليبني شبكة علاقات مع دول محور المقاومة، وواصل الدفاع عن القضية الفلسطينية في المحافل الدولية.
لم يكن اغتياله حدثًا مفاجئًا، بل جاء بعد أشهر من استشهاد ثلاثة من أبنائه وعدد من أحفاده في قصف مباشر على منزل عائلته في حي الشجاعية، إبّان العدوان الإسرائيلي على غزة في أبريل 2024. ورغم الفاجعة، لم يتوقف هنية عن ممارسة مهامه السياسية، واستكمل جولاته الخارجية نصرة لغزة والمقاومة.
اغتياله في طهران بطائرة مسيّرة شكّل تطورًا خطيرًا في العدوان الإسرائيلي، ومحاولة لتوسيع ساحة الحرب خارج فلسطين. لكنه أيضًا أثبت مجددًا أن الاحتلال يخشى القادة الأحياء أكثر مما يحتفل باغتيالهم، لأن مشروعهم باقٍ، وأفكارهم تنتقل وتكبر مع الأجيال.
أوصى هنية أن يُدفن في الدوحة، حيث أقام آخر سنواته، وجاءت جنازته حاشدة وواسعة، شارك فيها قادة وممثلو شعوب عربية وإسلامية، ووصفتها وسائل الإعلام بأنها "جنازة رجل دولة ومقاومة في آن".
في الذكرى السنوية الأولى لاستشهاده، أكدت حركة حماس أن دماء هنية ستبقى وقودًا لطريق التحرير، ودعت إلى جعل يوم 3 أغسطس من كل عام يومًا عالميًا لنصرة غزة والقدس والأسرى.
لقد كان إسماعيل هنية قائدًا وطنيًا جامعًا، امتلك لغة العقل والحزم، ورؤية ثابتة بأن لا اعتراف بشرعية الاحتلال، وأن المقاومة هي الخيار، وأن القدس عقيدة لا ورقة تفاوض. كلماته ظلت تتردد في الشارع الفلسطيني: "لن يُخترق الحصن، ولن تسقط القلاع"، وهي اليوم تتحوّل إلى شعار صمود شعب يواجه المجازر ولا ينكسر.