مقال: أزمة السعرين في غزة

أحمد أبو قمر 

يشهد قطاع غزة منذ فترة أزمة اقتصادية غير مسبوقة أفرزت ظاهرة لافتة باتت تعرف بـ "أزمة السعرين"، حيث تباع السلعة الواحدة بسعرين مختلفين: الأول عند الدفع نقدا وهو الأقل، والثاني عند الدفع الإلكتروني الذي قد يزيد بنسبة تتراوح بين 20% و40%، وأحياناً أكثر.
هذه المفارقة لم تعد حالة استثنائية، بل أصبحت القاعدة التي تحكم الأسواق، فتضع المواطن يوميا أمام معادلة صعبة بين وسيلتي دفع لا يخلو أي منهما من كلفة إضافية.
جذور هذه الأزمة تعود إلى شح السيولة النقدية الذي تفاقمت بفعل الحرب والحصار ومنع إدخال الأموال إلى غزة، إضافة إلى التلف الكبير الذي أصاب الأوراق النقدية المتداولة نتيجة طول استخدامها.
ومع ندرة الكاش ارتفعت تكلفة "التكييش" -أي سحب الأموال من الحسابات وتحويلها إلى سيولة- إلى مستويات قياسية تجاوزت 52% مطلع الشهر الجاري، وهو رقم غير مسبوق يعكس حدة الانسداد المالي.
وفي مواجهة هذا الواقع، انقسم التجار إلى مسارين: بعضهم فضّل التعامل حصرا بالنقد لتسديد التزامات عاجلة أو لإعادة بيعه في السوق مقابل عمولات مرتفعة، بينما اعتمد آخرون على الدفع الإلكتروني كخيار عملي يضمن استمرار البيع رغم ارتفاع الأسعار. وبهذا تشكلت سوق مزدوجة المعايير تُقسم ليس فقط المستهلكين، بل والتجار أنفسهم.
لكن ما هو أخطر من تعدد الأسعار، أن هذه الظاهرة تؤدي إلى تعميق التضخم وتآكل العدالة الاقتصادية، فالمستهلك الذي يفتقر إلى الكاش يجد نفسه مضطرا للشراء إلكترونيا بأسعار أعلى، ما يضاعف أعباءه في وقت تتجاوز فيه معدلات الفقر 90% وتصل البطالة إلى 83%.
والنتيجة أن "السعرين" لم يعد مجرّد وسيلة مؤقتة للتعامل مع نقص السيولة، بل مرآة حقيقية لأزمة اقتصادية عميقة تمس حياة الناس اليومية وتهدد استقرار السوق المحلي.