فلاريا زينك.. حين يكون الانحياز للحقيقة أكبر من كل شيء

خاص_ الرسالة نت

لم تكن استقالة المصوّرة الصحفية فلاريا زينك حدثًا عابرًا في عالم الإعلام، بل صرخة ضمير مدوّية ضد ما وصفته بـ"التواطؤ الإعلامي" في تغطية جرائم الحرب ضد الصحفيين والمدنيين في غزة. بعد ثماني سنوات قضتها كمصورة متابعة لوكالة "رويترز" للأنباء، أعلنت زينك تخليها عن بطاقتها الصحفية قائلة: "لا أستطيع أن أرتديها بعد الآن إلا بالعار والحزن العميق."

طوال سنوات عملها، وثّقت زينك قصصًا إنسانية من فلسطين، وانتشرت صورها عبر كبريات الصحف والمنصات الإعلامية مثل نيويورك تايمز والجزيرة ووسائل إعلام في أمريكا الشمالية وآسيا وأوروبا. لكنها اليوم تقطع علاقتها بالمؤسسة الإعلامية التي ارتبط اسمها بها، بعد أن وجدت نفسها عاجزة عن التوفيق بين قيمها المهنية وما اعتبرته "تواطؤًا صريحًا" مع آلة الحرب.

القرار جاء بعد اغتيال الصحفي الفلسطيني أنس الشريف وطاقم قناة الجزيرة في مدينة غزة بتاريخ 10 أغسطس، وهي الجريمة التي وصفتها إسرائيل بادعاءات لا أساس لها، اتهمت فيها الشريف بالعمل مع "حماس". تقول زينك: "اختارت رويترز أن تنشر هذه الأكاذيب، كما فعلت مرارًا، لتصبح جزءًا من ماكينة الدعاية التي تُجرّد الضحايا من إنسانيتهم."

بالنسبة لها، لم يكن الأمر مجرد "خطأ مهني" بل مساهمة مباشرة في تهيئة الأرضية لاستمرار جرائم الإبادة بحق الصحفيين. وأشارت إلى أن زميلها حسام المصري، مصور رويترز، كان من بين 20 شخصًا استشهدوا في الغارة المزدوجة على مجمع ناصر الطبي بخان يونس صباح 25 أغسطس. كانت تلك "ضربة الحنفية المزدوجة"، حيث تُستهدف المواقع المدنية أولاً، ثم يُنتظر وصول الطواقم الطبية والصحفيين، قبل أن يُعاد قصف المكان نفسه.

زينك لم تُخفِ غضبها من أداء وسائل الإعلام الغربية التي وصفتها بأنها "أحزمة ناقلة للدعاية الإسرائيلية"، بدءًا من نيويورك تايمز وواشنطن بوست وصولاً إلى رويترز ووكالة الأسوشييتد برس. وقالت: "لقد تخلّوا عن أبسط مسؤولياتهم الصحفية، وأصبحوا شركاء في قتل الصحفيين، وفي تجويع شعب بأكمله."

وأضافت أن جائزة بوليتزر التي حصل عليها أنس الشريف عن تقاريره لرويترز لم تدفع الوكالة للدفاع عنه عندما صار هدفًا معلنًا لآلة الحرب الإسرائيلية. فقد نُشرت تهديدات علنية بحقه من قبل متحدث عسكري، ورغم مناشداته المتكررة، لم تتحرك المؤسسات الإعلامية لحمايته، بل ساهمت في تشويه صورته بعد اغتياله.

استقالة فلاريا زينك تمثل موقفًا إنسانيًا نادرًا في مؤسسة إعلامية عالمية، حيث فضّلت الانحياز لدماء زملائها على حساب الاستمرار في منصب يمنحها الشهرة والانتشار. وتقول في رسالتها الأخيرة: "أدين لزملائي في فلسطين بهذا القدر على الأقل، وأكثر بكثير. لقد ضحوا بأرواحهم لنقل الحقيقة، بينما لم تحمهم المؤسسات التي ادعت رعايتهم."

بهذا القرار، تنضم زينك إلى قائمة الأصوات الصحفية الحرة التي ترفض الصمت على جرائم تُرتكب على الهواء مباشرة، وتضع سؤالاً أخلاقيًا أمام الإعلام العالمي: هل تبقى الحقيقة مجرد مادة للنشر، أم التزامًا بالعدالة والإنسانية مهما كان الثمن؟

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية