تشيع العاصمة اليمنية صنعاء اليوم الثلاثاء جثامين 32 صحفياً من كوادر صحيفتي 26 سبتمبر واليمن، الذين ارتقوا شهداء جراء القصف الإسرائيلي المباشر على مقر الصحيفتين الأسبوع الماضي.
وسيُقام موكب التشييع الرسمي والشعبي صباح اليوم من أمام جامع الشعب وسط العاصمة، بمشاركة واسعة من الصحفيين والأكاديميين والهيئات الإعلامية، إضافة إلى قيادات سياسية واجتماعية، في رسالة وفاء لضحايا واحدة من أبشع المجازر التي استهدفت الصحافة في التاريخ المعاصر.
مجزرة غير مسبوقة بحق الصحافة
استهداف الاحتلال لمقري الصحيفتين وسط حي سكني مكتظ لم يكن حادثاً عارضاً، بل جريمة متعمدة طالت الصحفيين في أماكن عملهم.
فقد أسفرت الغارات عن استشهاد وإصابة العشرات من الصحفيين، إلى جانب سقوط ضحايا من المارة وسكان المنازل المجاورة. وبذلك تحولت المجزرة إلى جريمة مزدوجة: بحق الكلمة الحرة وبحق المدنيين الآمنين.
وفقاً للقانون الدولي الإنساني، ولا سيما المادة (79) من البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف، فإن الصحفيين يُعتبرون مدنيين يتمتعون بالحماية الكاملة حتى في أوقات النزاع.
وبالتالي، فإن استهدافهم يُعد انتهاكاً جسيماً يرقى إلى جريمة حرب تستوجب المساءلة أمام المحاكم الدولية، بما فيها المحكمة الجنائية الدولية.
الصمت الدولي: وصمة عار
ورغم بشاعة الجريمة التي التقطتها عدسات الإعلام ورآها العالم بأسره، إلا أن ردود الأفعال الدولية كانت مخيبة.
لم تُصدر الأمم المتحدة ولا المنظمات الحقوقية الدولية أي إدانة واضحة، في حين التزمت أغلب الاتحادات الإعلامية والنقابية الصمت.
هذا الصمت وصفه الوسط الصحفي اليمني بأنه "سقوط أخلاقي" و"تواطؤ غير مباشر"، يمنح الاحتلال غطاءً لمزيد من الجرائم بحق الصحافة.
ربط مع جرائم الاحتلال في غزة
ما جرى في صنعاء لا ينفصل عن المشهد الأوسع في غزة، حيث يواصل الاحتلال الإسرائيلي منذ اندلاع حرب الإبادة في أكتوبر/تشرين الأول 2023 استهداف الصحفيين والمؤسسات الإعلامية بشكل مباشر.
فحتى منتصف سبتمبر 2025، استشهد أكثر 250 صحفياً فلسطينياً في القطاع، بينهم مراسلو وكالات دولية وقنوات عربية بارزة.
كما تم تدمير مقرات قنوات محلية وعالمية ومكاتب إعلامية بشكل متكرر، في مسعى واضح لإسكات الصوت الحر الذي يكشف جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية.
بهذا المعنى، فإن استهداف الصحفيين في صنعاء يُعد امتداداً لنفس السياسة الإسرائيلية القائمة على إرهاب الإعلام وإسكات الحقيقة، سواء في غزة أو اليمن أو أي ساحة أخرى ترفع الصوت ضد جرائم الاحتلال.
دعوات للتحرك والمحاسبة
مع بدء مراسم التشييع اليوم، تتصاعد الدعوات من الوسط الصحفي اليمني والعربي والدولي إلى:
1. تشكيل لجنة تحقيق دولية مستقلة للكشف عن تفاصيل المجزرة ومحاسبة المسؤولين عنها.
2. تفعيل أدوات المساءلة القانونية عبر المحكمة الجنائية الدولية وهيئات الأمم المتحدة المختصة.
3. تحرك الاتحادات الإعلامية العالمية مثل الاتحاد الدولي للصحفيين لممارسة ضغط حقيقي من أجل حماية الصحفيين ومؤسساتهم في مناطق النزاع.
موكب التشييع في صنعاء اليوم لا يمثل فقط وداعاً مهيباً لضحايا الصحافة، بل يشكّل صرخة بوجه العالم الصامت، ورسالة بأن الصحفيين – سواء في غزة أو صنعاء – كانوا وما زالوا شهداء الكلمة والحقيقة، وأن استهدافهم لن ينجح في حجب جرائم الاحتلال عن أنظار الإنسانية.