لم يكن عبد المطلب القيسي، البالغ من العمر 56 عامًا، مجرد سائق مدني ينقل المساعدات إلى غزة، بل كان رجلًا حمل في قلبه وجع الأمة كلها. قبل ثلاثة أشهر فقط، بدأ عمله سائقًا لإيصال المساعدات الإنسانية، وكان يرى بأم عينيه صور الأطفال الجياع في غزة وأصوات الأمهات الثكالى تصل إلى قلبه.
في يوم العملية، لم يكن القيسي يحمل فقط شحنة على ظهر شاحنته، بل حمل وصيته الأخيرة، وكتب رسالة موجعة، قال فيها:
"أهلي الأعزاء في الأردن... إنني هذا اليوم أسجل موقفي أمام الله والتاريخ، ملتحقًا بالشهيد البطل مازن دبّاب الجازي. إن الجرائم التي يرتكبها الاحتلال (الصهيوني) في قطاع غزة ستكون يوماً في بلادنا وأوطاننا... وهل سنصمت إلى أن يعمل في أرضنا وينتهك حرماتنا؟"
كان القيسي يعرف أن طريقه ربما يكون بلا عودة. لكنه اختار أن تكون خطوته الأخيرة صرخة في وجه الصمت.
وبحسب ما نقلته وسائل إعلام عبرية، فقد وصل مع شابين آخرين إلى محطة الشحن عند معبر اللنبي، ونفذوا هجومًا مسلحًا أسفر عن مقتل شخصين إسرائيليين، قبل أن يسقط القيسي برصاص الاحتلال.
الرسالة التي تركها عبد المطلب تكشف عن رجل لم يتعبه العمر، بل زاده وعيًا. لم يكن مغامرًا ولا طالب مجد شخصي، بل مواطن عربي غيور رأى أن صمته لم يعد مقبولًا. أراد أن يذكّر الأمة أن ما يحدث في غزة ليس بعيدًا عنهم، وأن الجرائم لن تتوقف عند حدود القطاع.
رحل عبد المطلب القيسي تاركًا خلفه رسالة مكتوبة ودمًا مسفوحًا على أرض المعبر، لعلها توقظ الضمير العربي الذي خاطبه قائلًا:
"أبناء أمتنا، إنّ الجرائم التي يرتكبها الاحتلال في قطاع غزة ستكون يوماً في بلادنا وأوطاننا...".
وبينما تستمر أخبار غزة في تعداد الشهداء، يبقى اسم القيسي حاضرًا في الذاكرة، رمزًا لرجل عادي اختار أن يمنح حياته نهاية استثنائية، وأن يكتب وصيته بدمه لا بحبره فقط؛ صرخةً في وجه كل من آثر الصمت، وتذكيرًا بأن التخاذل خيانة لا يغفرها التاريخ.