على رأس عمله؛ يستقبل كل يوم جرحاً جديداً. واليوم، في باحة مجمع الشفاء الطبي، وقف الدكتور محمد أبو سلمية صامتاً للحظة، يحدّق في وجوه الشهداء الذين وصلوا قبل قليل. كان يعرف كل شهيد تقريباً في غزة بالاسم أو الحكاية، لكن هذه المرة كان الوجع شخصياً وقاسياً أكثر من أي وقت مضى؛ فقد جاءه نبأ استشهاد شقيقه وعدد من أبنائه، بعد قصف إسرائيلي استهدف مخيم الشاطئ.
الطبيب الصامد، ابن المخيم، الذي تربى بين جدران الشاطئ الضيقة، عاش الفقر واللجوء مبكراً، وكان يدرك منذ طفولته أن حياة الناس هنا ليست سهلة. ذلك الإدراك المبكر جعل قلبه معلقاً بهم، ودفعه لاختيار الطب مهنة، ليردّ لهم بعضاً من حقّ الحياة. زملاؤه يصفونه بأنه الطبيب الذي يعامل مرضاه كأهل وأصدقاء، لا كملفات وأرقام. لكن ما الحيلة الآن، وشقيقه وأبناؤه ممددون أمامه أشلاءً، في مشهد يختصر مأساة غزة كلها؟
منذ بدأت هذه الحرب الطويلة، فقد أبو سلمية عشرات من زملائه الأطباء والممرضين، ورأى المستشفيات تتحول إلى ساحات قصف، والممرات تمتلئ بالشهداء. لكنه لم يغادر موقعه قط. حتى في نوفمبر 2023، عندما اقتحم الاحتلال مجمع الشفاء، بقي فيه حتى آخر لحظة قبل أن يُعتقل، متشبثاً بالمكان كأنه بيته الأخير.
في السجن، ذاق التعذيب والإهانة، وخسر أكثر من 25 كيلوغراماً من وزنه، لكنه حين أُفرج عنه في يوليو 2024، عاد إلى عمله فوراً، وكأن الزمن لم يتوقف.
أبو سلمية ليس مجرد مدير أكبر مستشفى في غزة، بل صوتها الطبي الذي اعتاد العالم سماعه في كل حرب. بصوته الهادئ والمثقل بالحزن، كان يعلن أعداد الشهداء، يتحدث عن نقص الأدوية، وينقل صورة النظام الصحي المنهك. خلف الكاميرا، كان ينام على كرسي متحرك أو في مكتبه الصغير داخل المستشفى، بعيداً عن أسرته، لأن بقاءه هناك كان بالنسبة له واجباً أكبر من أي شيء آخر.
اليوم، حين رأى جثامين شقيقه وأبنائه تصل إلى مشرحة الشفاء، لم يكن لديه ترف الانهيار. وقف للحظة صامتاً، ثم أدار ظهره ليكمل جولته بين الجرحى والناجين، وكأن عزاءه الوحيد أن ينقذ ما تبقى من أرواح.
رغم هذا الوجع المتراكم، يصرّ محمد أبو سلمية على البقاء في موقعه. يصفه الناس بأنه "أب المستشفى"، لأنه يتدخل شخصياً لتأمين العلاج للفقراء والحالات المستعصية حتى لو لم يكن ذلك ضمن بروتوكولات الوزارة. بالنسبة له، الحرب لم تنتهِ، ومسؤوليته لم تنتهِ، حتى لو دفع الثمن من قلبه وعائلته.
في مدينة تموت كل يوم، يظل الدكتور محمد أبو سلمية واحداً من آخر الحراس على أبواب الحياة، يحمل وجعه بصمت، ويواصل إنقاذ الآخرين، وكأن نجاتهم انتصار شخصي لشقيقه وأطفاله الذين رحلوا.