كمخيم جنين في صلابته ومقاومته، يرسم الشيخ القائد الأسير جمال أبو الهيجا وعائلته نموذجًا لمدرسةٍ جامعة في الجهاد والصبر والثبات، يكافحون بأعمارهم وسني حياتهم أمام قضبان الزنازين وجدران السجان، كما هي حياتهم بين أزقة المخيم وحجارته الشاهدة على بصماتهم وأثرهم.
حوالي 44 عيدًا غيبت سجون الاحتلال القائد أبو الهيجا عن أهله وأبنائه ومخيمه، كما تغيّب أبناءه عاصم وعماد، وما زالوا على عهد الثبات رغم سنوات الحرمان وظلم القضبان، والأمل يحدوهم بالحرية القريبة.
غياب وأمل بالحرية
عبد السلام أبو الهيجا، نجل الشيخ القائد الأسير، قال إننا عائلة من آلاف العائلات الفلسطينية التي ظلمت على يد الاحتلال، ونحن على أبواب العيد غيب خلف الأسوار والدي الشيخ جمال وشقيقي عاصم وعماد، وكل واحد منهما له زوجه وأبناء.
وأكد أبو الهيجا على الفرح في العيد رغم الأسر والبعد لأنه من شعائر الله، لافتًا أن "لكل واحد منهم ميزة ولمسة في العيد غيبت، ونحاول أن تبقى موجودة ومزروعة في بيوتنا في العيد".
وأوضح أن الشيخ جمال غاب حوالي 44 عيدًا خلف أسوار السجون، وشقيقيه الأسيرين عاصم وعماد غيبتهم سجون الاحتلال حوالي 12 عيدًا.
وتذكر "عبد السلام" أول عيد غاب فيه والده عن البيت بسبب الاعتقال، وقال: "في أول عيد كنا أطفالا، وكنا عائدين من السعودية قبل شهور، وقفنا أمام جدنا وأمنا بساحه المنزل بعد صلاه العيد وبكينا عندما سمعنا الجيران يصيحون كل عام وأنت بألف خير".
وتعيش عائلة الشيخ أبو الهيجا عيد الأضحى وما يسبقه يوم عرفة، بالدعاء والتقرب إلى الله بأن يمن بالفرج عن جميع الأسرى والأسيرات، كما تحدث أبو الهيجا.
وأشار إلى أن والده كان يقضي العيد وهو خارج السجون في زيارات الأرحام والأقارب وأهالي الشهداء والأسرى، لافتا إلى أن الأسرى يصنعون أجواء الفرح بالعيد لإغاظة الاحتلال، ويتزاورون ويكتبون الرسائل قبل شهر لمعايدة الأهالي.
وأضاف: "رسالتنا في العيد أن يكرم الله برجال أشداء أياديهم متوضأة، يواصلون عملهم بالليل والنهار للإفراج عن كافة الأسرى والأسيرات وإنهاء معاناة الأسر في تاريخ شعبنا، هذا السيف المسلط على كل بيت وعائلة، خاصة الاعتقال الإداري".
ونبه إلى معاناة أسرى المؤبدات الذين طالت عليهم السجون كوالده الذي أمضى حوالي 25 عامًا في سجون الاحتلال.
وتابع: "والدي مريض مبتور اليد، وأمي مريضة مرض عضال، وتوفيت شقيقته الكبرى، وتوفي شقيقه الأكبر، وتوفي عدد من أصحابه، ولم يودع أحدًا منهم".
وأكمل: "لم يحضر زفاف أحد منا، وكان آخر زفاف أختي الصغرى ساجدة قبل حوالي شهر، ونحن كل يوم ننتظر سماع أي خبر يكون بمثابة بزوغ الفرج، وما ذلك على الله ببعيد".
وكان القائد أبو الهيجا قد زف، قبل شهر، ابنته ساجدة عروسا إلى عش الزوجية، بكلمات كتبت بمداد الدمع ونزف الأيام الطويلة خلف قضبان السجون، وبنار شوق المحبين المشتاقين لأحبتهم وأهليهم.
سيرة قائد
ولد جمال أبو الهيجا في مخيم جنين شمال الضفة الغربية المحتلة عام 1959، متزوج وله أربعة من الأبناء وابنتان، درس في مدارس وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين، ثم حصل على دبلوم التربية الإسلامية في الكلية العربية بعمان عام 1980.
تتلمذ على يد الشيخ الدكتور عبد الله عزام في الأردن، وبعدها عمل في التدريس في اليمن والسعودية، ثم أقام في الكويت قبل عودته إلى مسقط رأسه عام 1990.
تميّز الشيخ باحتضانه ودعمه لكل المقاومين حتى أن منزله كان المأوى للمقاتلين من جنين وكل مدن الضفة الغربية المحتلة، كما تميز بهذه الوحدة وإجماع الجميع على حبه واحترامه داخل السجون.
اعتقل الشيخ أبو الهيجا أربع مرات منذ عودته لوطنه عام 1990، وأمضى ما مجموعه خمس سنوات ونصف في سجون الاحتلال قبل اعتقاله الأخير.
قاد معركة مخيم جنين وقاتل فيها ببسالة إلى أن أصيب بالرصاص المتفجر خلال تصديه مع فصائل المقاومة المسلحة لحصار واجتياح مخيم جنين عام 2002، الأمر الذي أدى إلى بتر يده اليسرى، ورفض تسليم نفسه، وبقي مطارداً للاحتلال.
قصفت طائرات الاحتلال منزله ما أدى لتدميره بالكامل وتشريد عائلته، ووضعته على قائمة المطلوبين، وفي 26 أغسطس 2002 استطاعت وحدات خاصة تتبع للاحتلال اعتقاله، وحكم عليه بالسجن المؤبد 9 مرات بتهمة قيادة كتائب القسام.
ولم يتوقف الأمر عند اعتقاله، فقد اعتقل الاحتلال أبناءه، واعتقل ابنته المحامية "بنان" بالإضافة إلى زوجته التي مكثت في الاعتقال الإداري 9 أشهر عام 2003، واستشهد نجله "حمزة" في اشتباك مع جنود الاحتلال في مارس 2014 بعد مطاردة من الاحتلال لعدة سنوات.