ربط الكاتب والصحفي المصري محمد مصطفى موسى بين ما قاله الشهيد القائد يحيى السنوار عقب اندلاع "طوفان الأقصى" بأن "العالم بعد الطوفان لن يكون كما كان قبله"، وبين ما نراه اليوم من تحولات كبرى.
ويخلص موسى في مقال نشره موقع الجزيرة مباشر إلى أن مجرم الحرب نتنياهو حين تحدث عن "شرق أوسط جديد"، لم يفهم أن العالم بأسره يتغير، لكن ليس وفق أهوائه، بل على وقع جرائم "إسرائيل" وعزلتها.
وفي لحظة فارقة من تاريخ الصراع، ظهر نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة الأسبوع الماضي، متحدثًا عن "شرق أوسط جديد"، بينما كانت القاعة شبه خالية بعد انسحاب ثلثي المندوبين احتجاجًا على جرائم الحرب في غزة.
في الخارج، كانت شوارع نيويورك تشتعل بمظاهرات حاشدة ضمت نشطاء وسياسيين من مختلف الاتجاهات، بينهم يهود أمريكيون وإسرائيليون، ينددون بسياساته الإجرامية.
هذه المفارقة الصادمة، كما يصفها الكاتب موسى تعكس عزلة "إسرائيل" غير المسبوقة، وتحولها من قوة غاشمة تدّعي الديمقراطية إلى كيان مطرود من المجتمع الدولي.
انهيار سردية الاحتلال
ويرى موسى أن خطاب نتنياهو، الممزوج بالغرور والفقدان، لم ينجح في التغطية على الانهيار الدبلوماسي الذي تجسد بالانسحاب الجماعي من القاعة الأممية، مشيرا إلى أن المراسلة الإسرائيلية من القناة 13 وصفت المشهد بأنه "بصقة في وجه إسرائيل بأسرها".
الكاتب اعتبر أن هذا المشهد يعادل في رمزيته "الطوفان الدبلوماسي"، الذي يوازي أثر "طوفان الأقصى" عسكريًا، بما كشفه من هزائم "إسرائيل" الاستخباراتية والعسكرية، وهشاشة صورة جيشها الأسطوري المزعوم.
الغيتو يتجدد… لكن بإرادة إسرائيلية
يستعيد موسى الخلفية التاريخية لفكرة "الغيتو"، الذي فُرض على اليهود في أوروبا منذ عام 1516 حين عزلتهم جمهورية البندقية في حي مغلق. لاحقًا، تحولت هذه التجربة إلى حالة نفسية واجتماعية أورثت ما سماه عبد الوهاب المسيري "اعتلالات الغيتو".
لكن المفارقة – كما يوضح الكاتب – أن "إسرائيل" لم تُفرض عليها العزلة اليوم، بل اختارتها طوعًا، حين بنت أسوارها المسلحة، من القبة الحديدية إلى الترسانة النووية، لتتحول من حركة ادعت التحرر القومي إلى نسخة مكررة من "غيتو" أوروبا القديم.
شهادات من داخل "إسرائيل"
موسى يستحضر في مقاله أصواتًا إسرائيلية ناقدة لهذا الانغلاق؛ من بينها أفراهام بورغ، رئيس الكنيست الأسبق، الذي وصف "إسرائيل" في كتابه "هزيمة هتلر" بأنها "قلعة عسكرية مغلقة"، وشلومو ساند الذي حذّر من "الغيتو النفسي" الذي يهدد باندثار المشروع الصهيوني من الداخل.
هؤلاء المفكرون – بحسب الكاتب – أدركوا باكرًا أن الدولة العبرية تزرع بذور انهيارها بيدها، إذ تتحول إلى كيان مهووس بالخوف، فاقد للشرعية الدولية، ومعزول عن محيطه الإقليمي والإنساني.
ويضيف موسى أن المشهد الغربي تغيّر بشكل جوهري، فلم يعد انتقاد "إسرائيل" محرّمًا كما كان قبل عقدين. حتى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اعترف بتراجع نفوذ اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة.
الكاتب يستشهد بمقالة نشرتها مجلة "الإيكونوميست" بعنوان: "كيف تجعل إسرائيل أمريكا معزولة؟"، لتؤكد أن الرأي العام الأمريكي – ديمقراطيًا وجمهوريًا – لم يعد يقبل بدعم "إسرائيل" بلا ثمن.