بعد مرور عامين على اندلاع معركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، تتواصل تداعياتها السياسية والأمنية والاقتصادية في المنطقة.
يرى مراقبون أن الحدث شكّل نقطة تحول كبرى أعادت القضية الفلسطينية إلى الواجهة، وأدخلت "إسرائيل" في دوامة من الأزمات الداخلية والعزلة الدولية غير المسبوقة منذ قيامها.
ونجحت المعركة، رغم الكلفة الإنسانية الباهظة، في كسر جدار التجاهل الدولي للقضية الفلسطينية، وإعادة طرحها باعتبارها قضية تحرر وحقوق شعب تحت الاحتلال.
فمنذ عام 2023، شهدت الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي سلسلة تحركات مكثفة، انتهت إلى ترقية مكانة فلسطين داخل المنظمة الدولية ومنحها حقوقًا إضافية كدولة مراقبة، فيما ارتفع عدد الدول المعترفة بفلسطين إلى 157 دولة حتى خريف 2025.
كما شهدت مدن كبرى مثل لندن وواشنطن ومدريد وأنقرة وكيب تاون مظاهرات مليونية متكررة مطالِبة بإنهاء الحصار ووقف الدعم العسكري لـ"إسرائيل"، ما أعاد الزخم الشعبي العالمي إلى القضية الفلسطينية بعد سنوات من الجمود السياسي.
المساءلة الدولية لـ"إسرائيل" تتسع
من أبرز ما أفرزته تداعيات الحرب هو اتساع نطاق التحقيقات والملاحقات القانونية الدولية بحق "إسرائيل".
ففي عام 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية أوامر احترازية تلزم تل أبيب باتخاذ تدابير فورية لمنع أفعال قد ترقى إلى «إبادة جماعية» في قطاع غزة، والسماح بدخول المساعدات الإنسانية دون عوائق.
وفي موازاة ذلك، واصل المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية خطواته الجدية نحو إصدار مذكرات توقيف بحق مسؤولين عسكريين وسياسيين إسرائيليين، متّهمين بارتكاب جرائم حرب وتهجير قسري.
هذه التطورات جعلت "إسرائيل" أمام اختبار غير مسبوق، بعدما كانت لعقود بمنأى عن المساءلة القانونية الدولية، وهو ما اعتبره محللون «تآكلًا تدريجيًا في الحصانة السياسية التي تمتعت بها لعقود».
خسائر اقتصادية وسياسية
وتؤكد التقارير الاقتصادية أن "إسرائيل" تكبّدت خسائر تفوق 250 مليار شيكل خلال عامين، نتيجة العمليات العسكرية المستمرة وتراجع النشاط التجاري والسياحي.
وفي فبراير 2024، خفّضت وكالة موديز التصنيف الائتماني لـ"إسرائيل" للمرة الأولى منذ أكثر من ثلاثة عقود، مشيرة إلى ارتفاع العجز المالي وتراجع ثقة المستثمرين.
كما شهدت العملة الإسرائيلية (الشيكل) تراجعًا حادًا، فيما ارتفعت معدلات التضخم والبطالة إلى مستويات غير مسبوقة.
وفي المشهد الداخلي، يعيش عشرات الآلاف من الإسرائيليين في حالة نزوح داخلي من المناطق الحدودية شمالًا وجنوبًا، وسط تآكل الثقة بالمؤسسة العسكرية وتراجع معنويات الجيش.
أما سياسيًا، فقد تزايدت الدعوات داخل "إسرائيل" لإجراء انتخابات مبكرة بعد سلسلة احتجاجات واسعة طالبت برحيل حكومة نتنياهو وتحميلها مسؤولية «الفشل الأمني الأكبر في تاريخ إسرائيل».
مكاسب فلسطينية ميدانية ورمزية
على الرغم من حجم الدمار الهائل في غزة، فإن المقاومة الفلسطينية استطاعت أن تثبت قدرتها على الصمود والمناورة العسكرية طوال عامين من المواجهة.
فصائل المقاومة، وعلى رأسها كتائب القسام وسرايا القدس، واصلت تطوير أساليبها الدفاعية والهجومية، وأظهرت قدرة على استنزاف القوات الإسرائيلية وإجبارها على إعادة الانتشار في أكثر من جبهة.
سياسيًا، وحّدت المعركة الموقف الفلسطيني الشعبي، وأعادت روح الإجماع حول خيار المقاومة ورفض التهجير القسري، في وقتٍ شهدت فيه الساحة العربية والإسلامية عودة قوية لمشاعر التضامن الشعبي، تجلت في الحملات الإغاثية الدولية مثل أسطول الصمود العالمي ومبادرات «غزة لا تُترك وحدها».
تراجع صورة "إسرائيل" عالميًا
وبحسب استطلاعات رأي أمريكية وأوروبية حديثة، تراجعت نسبة التأييد الشعبي لـ"إسرائيل" إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2006، وارتفعت نسبة من يعتبرونها «دولة تمارس التمييز والعنف المفرط» إلى 40%.
كما أظهرت استطلاعات داخل الجاليات اليهودية الأمريكية انقسامًا حادًا إزاء سياسات حكومة نتنياهو، خاصة في ظل الانتقادات الواسعة لجرائم الحرب في غزة.
وفي الجامعات الغربية، تصاعدت حملات المقاطعة الأكاديمية والثقافية لـ"إسرائيل"، وفرضت بعض المؤسسات الكبرى قيودًا على التعاون البحثي أو الاستثماري معها، ما يشير إلى تبدّل تدريجي في صورة "إسرائيل" داخل الرأي العام الغربي.
قراءة مستقبلية: معادلة جديدة للصراع
ويرى خبراء في الشؤون الإسرائيلية أن معركة «طوفان الأقصى» لم تكن مجرد حدث عسكري، بل محطة أعادت صياغة التوازنات في المنطقة.
فالمقاومة الفلسطينية، رغم الحصار والدمار، أثبتت أنها ما زالت قادرة على تهديد العمق الإسرائيلي، بينما تواجه تل أبيب تحديًا مزدوجًا: أزمة داخلية عميقة وضغط خارجي متصاعد.
ويُرجّح محللون أن تشهد المرحلة المقبلة جهودًا دولية لإطلاق مسار سياسي جديد يعالج جذور الصراع، لكنّ فرص نجاحه تبقى محدودة ما لم يُقرّ المجتمع الدولي بحقوق الفلسطينيين المشروعة وفي مقدمتها إنهاء الاحتلال ورفع الحصار وإقامة دولة مستقلة على حدود 1967.
وبعد عامين على «طوفان الأقصى»، يمكن القول إن الفلسطينيين ربحوا المعركة السياسية رغم الخسائر الميدانية والإنسانية الفادحة، فيما تواجه "إسرائيل" انكشافًا أمنيًا واقتصاديًا غير مسبوق وفقدانًا تدريجيًا لهالة الردع التي بنتها لعقود.
المعادلة الجديدة في الشرق الأوسط تؤكد أن مرحلة ما بعد الطوفان ليست كما قبلها، وأن القضية الفلسطينية استعادت مكانتها المركزية في ضمير العالم، فيما تتراجع "إسرائيل" نحو عزلة دولية متزايدة كل يوم.