غزة تتذوّق الفرح بعد عامين من الإبادة.. 1986 أسيرًا عائدون من الجحيم يروون حكاية الحرية

خاص_الرسالة نت

كانت لحظة الفرج تشبه القيامة الصغيرة، لحظة تختلط فيها الدموع بالتكبير، والفرح بالحسرة، حين خرج 1986 أسيرًا فلسطينيًا من ظلمات السجون إلى نور الحرية. خرجوا بعد سنين طويلة من العذاب، من خلف الأبواب الحديدية والجدران الباردة، ليجدوا وطنهم ما زال ينزف، لكنهم عادوا إليه كما الأنبياء العائدون من المحن، بأجسادٍ منهكة وأرواحٍ لا تنكسر.

 

من بين هؤلاء، 250 أسيرًا من أصحاب المؤبدات والأحكام العالية، و1718 أسيرًا من أبناء قطاع غزة الذين اعتُقلوا بعد السابع من أكتوبر 2023. لم يكن خروجهم نزهة من بابٍ إلى آخر، بل عبورًا مؤلمًا من الموت إلى الحياة. خرج بعضهم على كراسٍ متحركة، وقد بُترت أطرافهم برصاصٍ أُطلق داخل الزنازين، وآخرون خرجوا بعاهاتٍ دائمة، أجسادهم نحيلة مهزومة من فرط التعذيب والجوع، وملامحهم محفورة بالوجع.

 

روى الأسرى ما عاشوه خلف الجدران التي لا يدخلها الضوء. تحدّثوا عن الليالي التي كانت تُسحب فيها الأرواح من بين الضلوع، عن الضرب بمواسير الحديد حتى تتكسر العظام، وعن الشبح بالسلاسل لساعاتٍ وأيامٍ طويلة حتى يفقد الجسد الإحساس، وعن إطلاق النار على الأطراف داخل المعتقلات بهدف الإعاقة، وعن الجروح التي تُترك بلا دواء حتى تتعفّن.

قال أحدهم بصوتٍ مبحوح: “لم نكن نخاف الموت، كنا نخاف أن نُنسى”.

في تلك السجون، تحوّل الجسد الفلسطيني إلى ساحةٍ للتجربة: كسر، تعذيب، تجويع، وإهمال طبي متعمّد. كثيرون خرجوا مصابين بالجرب وأمراض جلدية مزمنة، وآخرون فقدوا أسنانهم أو أبصارهم، فيما بقيت الندوب شاهدة على فصول العذاب الطويلة.

 

وحين تحدّثوا عن زملائهم، خيّم الصمت الثقيل. قالوا إن في سجن “سديه تيمان” رحل رفاق لهم لم يحتملوا التعذيب، ماتوا تحت الصعق والضرب والجوع. بعضهم لفظ أنفاسه الأخيرة مقيد اليدين، وبعضهم تُرك لأيام بلا علاج حتى توقف قلبه. كانوا يسمعون أنينهم في الليل ثم يصحو الصباح فلا يجدونهم. تلك الأرواح، كما قال أحد المحررين، “خرجت قبلنا، لكنها تنتظرنا عند باب السماء.”

 

ورغم كل ذلك، حين فتحت الأبواب، لم يخرجوا منكّسي الرؤوس، بل شامخي الهامات.

وفي غزة، حدث ما يشبه المعجزة. بعد عامين من الإبادة والرماد والدموع، تذوّقت غزة طعم الفرح لأول مرة. خرج الناس إلى الشوارع رغم الدمار، رفعوا الأعلام فوق الركام، وغنّت الأطفال بين الأنقاض لأبطالٍ عادوا من الموت. كانت الأمهات يزغردن وهنّ يبكين، كأن أصواتهن تعيد للسماء لونها وللبحر موجه. كان العناق الأول بين أمٍّ وابنها لحظةً تتجاوز حدود اللغة؛ جسدٌ محطّم يحتضن حضنًا محطّمًا، لكن كليهما ينبض بالحياة.

في الضفة، علت الزغاريد وارتفعت الرايات، وحُمل الأسرى على الأكتاف، يهتف الناس بأسمائهم واحدًا واحدًا، فيما كانت الدموع تنزل بلا إذن، كأن الوطن بأسره يبكي ويبتسم في الوقت نفسه.

 

قال “إعلام الأسرى” في بيانه: “هذه اللحظات العظيمة ستُخلّد في تاريخ البشرية جمعاء”. وكانت الحقيقة أوضح من البيان؛ فما جرى لم يكن صفقة فحسب، بل ميلاد أمةٍ تصرّ على الحياة رغم أنف الموت. هذه الصفقة المفصلية لم تفتح فقط أبواب السجون، بل أعادت للناس بعض الأمل، وأعادت للحرية صوتها الذي خُنق لسنوات.

 

خرجوا بأجسادٍ مثقوبةٍ بالرصاص، لكن أرواحهم أشد صلابة من الحديد. خرجوا يجرّون معهم وجع كل أسيرٍ ما زال في القيد، وأقسموا ألا يهدأ لهم بال حتى تُكسر آخر سلسلة، ويُفتح آخر باب.

في ملامحهم المرهقة، وفي نظراتهم التي تشبه النور بعد العاصفة، كُتبت شهادة جديدة على أن الفلسطيني — حتى في أضعف لحظاته — يظل أقوى من سجّانه.

وهكذا، كانت الحرية هذه المرة مشهدًا من الألم النقيّ، ومن فرحٍ طال انتظاره في غزة التي لم تتذوق الحياة منذ عامين من النار والدمار — فرحٌ تسرّب من بين الركام ليقول للعالم إن هذا الشعب لا يُكسر، وإن للفرح موعدًا، ولو بعد ألف عذاب.

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية