يعيش أهالي المفقودين في #غزة على حافة الوجع، بين انتظارٍ لا ينتهي وأملٍ يتناقص كل يوم، بحثًا عن أبنائهم المفقودين.
يتشبثون بخيوط الرجاء، يبحثون في كل جثمان يعود من سجون الاحتلال عن ملامح ابنٍ أو أخٍ أو أبٍ أو زوج اختفى خلف الأسوار، ولا أحد يعلم أهو حيٌّ يُعذّب أم شهيدٌ واراه الصمت.
بين من صار شهيدًا تعانق روحه السماء، ومن ما زال حيًا في غياهب الأسـ ر،.حيث يتفنن الجلاد في إخفاء الأسماء وسرقة الأنفاس، ويتلاعب الاحتـ ـ لال بإنسانيتنا كما يتلاعب بالاتفاقات والعهود.
يمر الناس على صور الجثامين كأنهم يسيرون في متحفٍ للألم،
كما يمر القلب على جراحه القديمة، يفتشون في الوجع عن بصيص حياة، وفي الموت عن علامةٍ تطمئنهم وتريح بالهم.
صور الجثامين التي أفرج عنها الاحـ ـ تلال تظهر وجوه محروقة، وأطراف مبتورة من أثر التعذيب، وأجساد أطفئت فيها الحياة شنقًا أو حرقًا أو خنقًا، ولا أحد يتحرك في عالم عقيم إلا من الخذلان.
يتشمم الآباء رائحة أبنائهم في أكفانٍ غريبة، وتبحث الأمهات في ملامح الموتى عن أثرٍ لطفلٍ كان يضحك يومًا.
بين من يتمنى أن يجد ابنه أو زوجه، ومن يخشى أن تتغير ملامحه التي حفظها في القلب، فالحقيقة قاسية لا تحتمل.
في كل بيتٍ من بيوت #غزة حكاية انتظارٍ لا تشبه الأخرى، تغفو الأمهات على وسائد من دموع، وتصحو على أخبارٍ منقوصة، بينما يختبئ الاحتلال خلف جدران إنكاره، يخفي الأسماء، ويخنق الحقيقة في الزنازين، أو تحت الركام.
وفي الجهة الأخرى، ينحني الكوكب احترامًا لجثث جنود الاحـ ـتلال، ويقيم الدنيا على جرافةٍ تبحث عن أشلاء قتلةٍ جاءوا ليفنوا طفولة غزة، بينما تبقى آلاف الأمهات والأطفال والشيوخ تحت الأنقاض بلا خبر، ولا ذكر، ولا عيونٍ تبكي عليهم سوى تراب المدينة المنكوبة.
أين هو العالم الحر؟
أين هم الذين يرفعون راية الإنسانية في المحافل، ويتخمون الشاشات بالخطابات؟
أين ضمائرهم أمام الأسـ ـ رى الذين يُعذَّبون في الزنازين، يُعلّقون بين الحياة والموت، بين ضوءٍ يُطفأ عمدًا وصراخٍ لا يسمعه أحد تكوى أجسادهم بالنار وتكوى قلوبهم بالقهر؟
لقد سقطت أقنعتهم، جبناءُ يدّعون الحرية، وهم عبيدٌ لأسيادهم،
يتحدثون عن الحضارة بألسنةٍ ملوثةٍ بالدم، ويغضّون أبصارهم عن مدينةٍ تُباد كي تبقى كرامتها.
لا حرية هناك... الحرية هنا، في #غزة، هنا، حيث يُخلق النور من الرماد، وحيث المستضعفون في الأرض يقفون على ركامهم كالجبال، خذلتهم الدنيا، لكن الله لم يخذلهم، وما زالوا يحرسون المعنى الأخير للإنسان.