أمهات غزة بين الشاشة والمشرحة.. بحثٌ مرير عن وجوهٍ شوهها الاحتلال حتى الموت

خاص_ الرسالة نت

تجمعت عشرات الأمهات الفلسطينيات بثيابهن السوداء، في باحة تابعة لوزارة الصحة يحملن صور أبنائهن المفقودين وقلوبهن المرتجفة بين الانتظار واليأس. 

 

كانت المشرحة مغلقة أمام العامة، لكن شاشة كبيرة نُصبت في القاعة المجاورة لعرض صور الجثامين التي أعادها الاحتلال عبر الصليب الأحمر، بعد أن كانت محتجزة لشهور طويلة دون أسماء أو هوية.

 

على المقاعد الحديدية، جلست الأمهات في صفوفٍ طويلة، تتشبث كل واحدة منهن بصورة، بقطعة ثوب، أو بخاتمٍ صدئ ربما يشبه ما كان يضعه ابنها. 

ومع بدء عرض الصور، انطلقت شهقات مكتومة وصرخات مكبوتة، فالجثامين المعروضة لم تعد تشبه أصحابها. بعضها متحلل، وبعضها يحمل آثار ضرب وتكبيل وتعصيب أعين، تماماً كما أكّد مختصّ الأدلة الجنائية سامح حمد، الذي قال إن كل الجثامين التي سلّمها الاحتلال وعددها 165 كانت مشوّهة ومُعذَّبة حتى الموت، وبعضها أُعدم ميدانياً من مسافة قريبة.

 

هنا في هذا المشهد كانت الشاشة وسيلة لتقليل معاناة الأمهات من الدخول إلى المشرحة، لكن الوجع لم ينقص. فبين صورة وأخرى، كانت تُسمع صرخة تقول: "هذا هو ابني!"، وأخرى تبكي وتهمس: "لا... ليس هو."

تقدمت إحداهن نحو الطبيب المناوب، ترجوه أن يوقف العرض لحظة كي تتأكد من وجهٍ غائم، لكن الصورة التالية كانت قد ظهرت بالفعل؛ جثة أخرى، ووجه آخر غارق في الدماء.

 

بعض الأمهات تعرفن إلى أبنائهن من خلال هذه الشاشة. نظرات طويلة، دموع حارقة، ثم صرخة واحدة تختصر شهور الانتظار.

 

وهناك مشهد آخر لأمهات أخريات قررن مواجهة الحقيقة بأعينهن، ودخلن المشرحة ليكشفن الأغطية البيضاء والسوداء بأنفسهن، يتعرفن على أبنائهن من خاتم في الإصبع، أو ندبة صغيرة في الكتف، أو قميصٍ ما زال يحمل رائحة البيت.

 

ورغم كل محاولات الاستدلال، دفنت وزارة الصحة 54 جثماناً مجهولي الهوية في المقبرة المخصصة بدير البلح، لعدم توفر فحوص DNA وضعف الإمكانات الطبية.

 

وقال مكتب الإعلام الحكومي في غزة إن الاحتلال رفض تسليم أي قوائم رسمية بأسماء الشهداء، وإن الفحوص أظهرت تعرّض العديد منهم للتعذيب المبرح والإعدامات الميدانية، مؤكداً أن ما جرى "جريمة إنسانية مكتملة الأركان".

 

في الخارج، بعد انتهاء العرض، خرجت الأمهات بصمتٍ ثقيل. بعضهن يحمل ورقة تُثبت أن الجثمان الذي تعرفت عليه سيُدفن غداً، وأخريات يخرجن خاليات اليدين، تتقاذفهن فكرة مرعبة: أن أبناءهن ربما بين المجهولين، أو ما زالوا تحت الركام.

 

لم تزل الشاشة تعرض وجوهاً جديدة كل يوم ، وجوهاً شوهها القهر والموت، وأمهاتٍ يبحثن في الضوء البارد عن ملامحٍ غابت بين الصورة والذاكرة، بين الاسم واللا اسم، بين غزة والمقبرة.

 

 

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من قصص صحفية