تعيش الطفلة شهد العفيفي بين الخيام، مثلها مثل آلاف الأطفال، لكن ملامح حياتها لا تشبه أحدًا. جسدها الصغير محاط بجلدٍ قاسٍ ومشوّه، مغطّى بطبقة شمعية تشبه الحراشف، فيما التصقت أصابع يديها لتصبح كفّين بلا أصابع، كأن المرض قرر أن يختصر طفولتها في ألمٍ دائم.
شهد مصابة بمرض وراثي نادر يُعرف بـالسماك الشمعي، مرض لا يكتفي بتشويه الجسد، بل يعزل صاحبه عن العالم.
في المخيم، تقف شهد على هامش اللعب. لا تختلط بصديقاتها، لا تركض، ولا تشارك الضحكات. مناعتها الضعيفة تجعل أي احتكاك خطرًا، وأي مرض بسيط تهديدًا حقيقيًا لحياتها.
تقول بصوتٍ خافت: “أريد أن أخرج… أريد أن أذهب إلى المدرسة، الجميع ينظر إليّ، وأنا أحتاج إلى علاج وتحويلة طبية”. كلماتها بسيطة، لكنها محمّلة بثقل يفوق عمرها.
البيئة الملوثة، غياب الرعاية الصحية، وانعدام مكان آمن يحتضنها، جعلت حياتها سلسلة من الانتكاسات الصحية. لا توجد حاضنة تحميها، ولا دواء يخفف وجعها كما يجب. تمرض كثيرًا، وتبحث دائمًا عن مأوى، عن دفء، وعن حياة كريمة تشبه حياة الأطفال.
شهد لا تطلب معجزة، فقط فرصة. فرصة للعلاج، للتعليم، ولأن تُرى كطفلة… لا كمرض متنقل.
وفي ختام حكاية شهد، تتسع المأساة لتشمل آلاف المرضى في غزة، أولئك الذين لا تقل آلامهم عنها، وينتظرون العلاج كفرصة أخيرة للحياة. أكثر من آلاف المرضى والجرحى يقفون على قوائم الانتظار، عيونهم معلّقة بالمعبر، وأجسادهم تذوي يومًا بعد يوم.
لكن المعبر، الذي يُفترض أن يكون بوابة نجاة، لا يُسمح عبره إلا بمرور نحو 50 مريضًا وجريحًا فقط يوميًا، وهذا الذي لم يتحقق حتى الآن، ففي يومين منذ بداية عمل معبر رفح لم يصل عدد المرضى الخارجين إلى خمسين! تحويلات طبية وحياة مرهونة بمزاجية الاحتلال وقراراته التعسفية، بل وقد يُغلق المعبر كليًا ويُمنع الجميع من العبور، كما حدث اليوم.
وهكذا تُترك شهد وغيرها من المرضى في مواجهة المرض والموت البطيء، بلا علاج، بلا حماية، وبلا حقٍّ في الحياة.