نشر الكاتب اللبناني قاسم قصير مقالًا تحليليًا تحت عنوان: "في موازاة المعركة العسكرية: عن معركة الوعي وكي الوعي"، يلفت فيه إلى أن ما يجري في المنطقة منذ طوفان الأقصى وما تلاه من حرب إبادة على غزة وامتداداتها في لبنان واليمن وإيران، ليس مجرد حربٍ نارٍ وسلاح، بل هو — وربما أخطر — حرب على الوعي، تُشنّ بالتوازي مع القصف، وتُدار أحيانًا بأقلام عربية وفضائيات عربية، لصناعة هزيمةٍ نفسية وفكرية تعجز معها الشعوب عن تبنّي خيار المقاومة أو حتى التعاطف معه.
الكاتب في مقاله المنشور على موقع عربي21 يحذّر بوضوح: المعركة المقبلة أخطر من الحالية، لأنها معركة على العقول لا على الحدود. ويطرح سؤالين مركزيين:
1. ما طبيعة هذه المعركة اليوم؟
2. وكيف نواجهها حتى لا تضيع تضحيات الميدان في ضباب الإعلام والتطبيع؟
أولًا: معركة ليست جديدة
يؤكد قاسم قصير أن “معركة الوعي وكي الوعي” ليست اختراعًا جديدًا، بل بدأت مع بدايات المشروع الصهيوني نفسه؛ يوم حاول الاحتلال أن يروّج لشرعية وجوده، وأن يقنع العالم — والعرب خصوصًا — بأن فلسطين “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”، وأن الكيان “أمر واقع” يجب التسليم به.
ويذكر الكاتب أن الاحتلال لم يكتفِ بالدعاية، بل استخدم المجازر والاغتيالات والترهيب أداةً من أدوات كيّ الوعي: قتل القادة، ضرب العلماء، استهداف المفكرين والأدباء، لتفريغ الساحة من أي خطاب مقاوم، بحيث يبدو الاستسلام هو “الخيار العاقل”.
لكن — كما يذكّر قصير — جاءت انتصارات ميدانية عربية وفلسطينية ولبنانية، من عبور أكتوبر 1973 إلى المقاومة في لبنان وفلسطين، لتُسقط سردية “الجيش الذي لا يُقهر”، وتُثبت أن “كيّ الوعي” يمكن إفشاله إذا وجد فعل مقاوم يسنده وبيئة شعبية تصدّقه.
ثانيًا: ما بعد طوفان الأقصى
يقول الكاتب إن عملية طوفان الأقصى، وما تبعها من حرب إسناد على أكثر من جبهة، فعلت في الوعي الصهيوني ما لم تفعله عقود من المفاوضات:
زرعت الخوف في قلب المستوطن.
كشفت هشاشة الأمن الإسرائيلي.
أثبتت أن الكيان يمكن أن يُضرب في عمقه.
لذلك، يربط قصير بين الوحشية الإسرائيلية في غزة والضفة ولبنان وبين محاولة بثّ الرعب المستقبلية: الاحتلال لم يكتفِ بالرد العسكري “لكسر المقاومة”، بل أراد أن يرسل رسالة أبعد: “كل من يفكّر بالمقاومة سنحرقه، ونطارده، ونغتاله في أي بلد.”
ومن هنا جاء — كما يشرح — استهداف قادة حماس خارج فلسطين، والتهديد بملاحقتهم في قطر أو غيرها، والقصف المتكرر على لبنان وغزة والضفة والداخل المحتل (1948)، بل وحتى الضغط على إيران واليمن والعراق… كل ذلك بهدف واحد: ردع بيئة المقاومة عن التفكير بالمقاومة مستقبلًا.
ثالثًا: أخطر ما في المعركة
النقطة المركزية في مقال قاسم قصير أن معركة الوعي اليوم لم تعد تُدار من تل أبيب وواشنطن فقط، بل دخل فيها — للأسف — “كثير من المفكرين والإعلاميين والباحثين والسياسيين من أبناء جلدتنا”، كما كتب حرفيًا.
هؤلاء — بحسبه — يتولون الترويج لمقولات العدو، وإعادة بثّها بلسان عربي، وبلهجة “عقلانية”، مثل:
المقاومة غير مجدية.
السلاح يجب أن يكون بيد الدولة فقط.
المقاومة مسؤولة عن الدمار.
لا طاقة لغزة أو لبنان على حرب طويلة.
التطبيع هو الخيار الوحيد الواقعي.
هذه المقولات، كما يصفها الكاتب، ليست اجتهادًا بريئًا بل جزء من “إدارة كيّ الوعي” عربيًا، حتى يصبح الاحتلال قدرًا، والمقاومة مغامرة، والشهداء ضحية “تهوّر”، لا ضحية احتلال.
رابعًا: ثلاث روايات مضلِّلة
يفصّل قصير في مقاله ثلاث موجاتٍ من الخطاب يجب مواجهتها:
1. خطاب “لا جدوى من المقاومة”
يحمّل المقاومة مسؤولية الدمار ويتجاهل 80 سنة من الاستعمار والقتل والتهجير، ويتغاضى عن أن الاحتلال هو أصل العنف.
يردّ الكاتب بأن التجربة — من لبنان إلى غزة — أثبتت أن المقاومة تُوجِع، وتُربك، وتُبقي القضية حيّة، بينما لم تُنتج التسويات دولة ولا سيادة.
2. خطاب “إعلان الهزيمة”
وهو خطاب يريد أن يستغل حجم التضحيات في غزة ولبنان ليقول: “خلاص، فشلتم، سلّموا السلاح”.
يذكّر قصير بأن المقاومة لم تُهزم، بل قبلت بوقف النار “لإعادة ترتيب الصفوف وحماية المدنيين”، وأن الكيان نفسه تلقّى ضربات قاسية، وأن التقييم واجب، لكن إعلان الاستسلام خيانة للمسار كله.
3. خطاب “التطبيع قدرٌ لا يُردّ”
هذا الخطاب يُسوّق لاتفاقيات أبراهام، ويزعم أن “السلام جلب الاستقرار”، بينما الواقع — كما يقول الكاتب — أن التطبيع لم يُنهِ الاستيطان، ولم يُقِم دولة فلسطينية، بل زاد شهيّة الاحتلال، وها هو نتنياهو يطرح مشروع “إسرائيل الكبرى” وتغيير خرائط المنطقة.
خامسًا: لماذا هي المعركة الأخطر؟
يشرح قاسم قصير أن القصف يُعيد بناءه، والاغتيال يُنتج قائدًا آخر، لكن الوعي إذا كُويَ يصعب شفاؤه.
فإذا اقتنع الجيل الجديد أن المقاومة “غلط”، وأن الاحتلال “أمر واقع”، وأن فلسطين “قضية أجداد”، فلن تنفعه صواريخ ولا عمليات نوعية.
لذلك يقول بوضوح: المعركة المقبلة لن تُحسم بالدبابات وحدها، بل في الجامعات والمنابر والفضائيات وخطب الجمعة ومحتوى السوشال ميديا.
سادسًا: كيف نتصدى لمعركة كيّ الوعي؟
يُلمّح الكاتب — ويجب إبراز هذا في التقرير — إلى عناصر المواجهة، ويمكن تلخيصها من روحه ومنطقه في النقاط الآتية:
1. إنتاج رواية مقاومة مضادة
أي ألا نترك الساحة لخطاب “التعب” و”اللاجدوى”، بل نشرح للناس لماذا وقعت الحرب، ولماذا استُهدفت غزة، ولماذا يُضرب لبنان، وأن الهدف هو كسر نموذج المقاومة.
2. تثبيت الذاكرة
ربط مجازر اليوم بسلسلة المجازر منذ دير ياسين وقانا وجنين… حتى لا تبدو حرب غزة حادثًا معزولًا بل حلقة في مشروع اقتلاع.
3. فضح الوكلاء المحليين
تسمية خطاب “التطبيع” و”الاستسلام” باسمه، والتمييز بين رأيٍ مختلف ورأيٍ يُعيد إنتاج دعاية العدو.
4. التقييم لا الإحباط
الكاتب لا يدعو لتقديس المقاومة أو منع نقدها، بل إلى نقدٍ بنّاء يطوّر الأداء، لا نقدٍ يُستخدم ذريعة لنسف أصل المقاومة.
5. الاستمرار على كل الجبهات
يختم قصير تقريبًا بالقول إننا “لا خيار لنا سوى مواصلة المعركة بكل الأساليب وعلى كل الجبهات حتى سقوط المشروع الصهيوني”، أي أنه يرى المعركة طويلة، والوعي جزء ثابت منها.
يُعيد مقال قاسم قصير وضع الإصبع على السؤال الحاسم لما بعد وقف النار: هل سنترك الاحتلال يربح ما عجز عنه في الميدان عبر الإعلام والنخب؟
أم سنعتبر أن كل ضربة على الوعي أخطر من صاروخ، لأن الصاروخ يُعيد البناء بعده، أما الوعي إذا استسلم فلن يضغط على الزناد مرة أخرى؟