بعد الهجوم الفلسطيني المباغت في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر 2023، والفشل الإسرائيلي الذريع في إجهاض الهجوم قبل وقوعه، أجمعت المستويات العسكرية والأمنية والسياسية الإسرائيلية كافة على نتيجة واحدة، وهي سقوط المرتكزات التي بُنيت عليها العقيدة العسكرية الإسرائيلية، وأبرزها نظريات الردع والإنذار المبكر والدفاع.
هذا الفشل دفع "إسرائيل" إلى تغيير الاتجاه والتوجه نحو هدف واحد هو الحسم، الذي يعني القضاء على التهديدات لا ردعها فقط، أي أن الحاجة للردع تتلاشى إذا أصبح المستهدف غير موجود. فحكومة اليمين المتطرف ترى أن الحسم يعني إنهاء الوجود الفلسطيني عبر التهجير والإبادة والاستيطان، بينما يركّز المستويان العسكري والأمني على نزع سلاح المقاومة ومنعها من إدارة قطاع غزة.
لم يعد خافياً على أي طرف، بمن فيهم الوسطاء والمجتمع الدولي وحتى الولايات المتحدة، أن حكومة بنيامين نتنياهو ووزراء اليمين الفاشي وجهات قوية داخل حزب الليكود، كانت تسعى لتأبيد الحرب على غزة، بهدف تدمير القطاع منهجياً ودفع سكانه إلى الهجرة القسرية، تمهيداً لإحلال المستوطنين مكانهم، بغضّ النظر عن الخسائر الإسرائيلية أو التبعات الدولية.
لكن استمرار الحرب وتخطي كل الخطوط الحمر، بما في ذلك التفكير في الهجوم على قطر، دقّ ناقوس الخطر دولياً. فالمجتمع الدولي، بدعم أميركي وعربي وإسلامي، تدخّل لفرض وقف الحرب وتبادل الأسرى بسرعة، ضمن محددات تراعي المخاوف الإسرائيلية وتطمئن في الوقت ذاته العرب والفلسطينيين بعدم التهجير أو الضم.
الحقيقة الأبرز خلال الشهر الأخير أن الحرب على غزة توقفت بشكلها الإبادي الواسع تحت ضغط أميركي قوي. وعلى الرغم من التنازلات الفلسطينية، فإن القرار بالموافقة على المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أفشل حلم اليمين الإسرائيلي بالطرد الجماعي للفلسطينيين واستمرار الإبادة، خصوصاً بعد تدمير مدينة غزة واحتلالها جزئياً.
ورغم المآخذ الكثيرة على الخطة الأميركية، فإنها لم تلبِّ طموحات اليمين الإسرائيلي المتطرف. فقد عرقلت مسار الإبادة والتهجير والضم والاستيطان، وأشارت إلى أفق سياسي يربط بين غزة والضفة الغربية ويعترف بالطموح الفلسطيني في إقامة الدولة، وهو ما يعتبره اليمين الإسرائيلي خطاً أحمر.
الوضع الحالي لا ينسجم مع خطط اليمين المتطرف التي يعبّر عنها الوزير بتسلئيل سموتريتش، القائمة على طرد الفلسطينيين من غزة والضفة وضم الأراضي إلى إسرائيل. في المقابل، تتشكل إرادة دولية تبقي الفلسطينيين على أرضهم وتمنع تهجيرهم، وتدفع نحو توحيد غزة والضفة في كيان سياسي واحد، تُوّج باعترافات دولية متزايدة بالدولة الفلسطينية.
لقد أدّت الحرب الطويلة والدمار الواسع إلى إدراك عالمي بضرورة إيجاد حل سياسي للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، خاصة مع تصاعد إرهاب المستوطنين والجيش في الضفة الغربية. هذا الواقع الذي بات يحاصر "إسرائيل" دفع الرئيس ترامب إلى فرض خطته، لإنقاذها من نفسها بعد أن فقدت البوصلة السياسية والاستراتيجية.
القدرة على تحويل التهديدات التي تحتويها الخطة الأميركية – التي قد تصبح قراراً أممياً من مجلس الأمن – إلى فرص، تبقى ممكنة إذا ما توفرت إرادة عربية وإسلامية لتحقيق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية. فكما نجحت الإرادة الجماعية في منع التهجير، يمكنها دفع المجتمع الدولي، وحتى واشنطن، إلى الإقرار بالحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ليس من أجل الفلسطينيين فقط، بل من أجل استقرار المنطقة وحفظ السلام والأمن الدوليين.
الأطراف العربية والإسلامية تمتلك الأوراق والأدوات الكافية لتحقيق إرادتها إن توفرت، خصوصاً بعد أن أدرك العالم أنه لا سلام ولا أمن ولا تطبيع من دون إنصاف الشعب الفلسطيني والاعتراف بحقوقه المشروعة.
المصدر: موقع الميادين