بينما يبدأ فصل الشتاء بإطلالته الباردة على قطاع غزة، يعيش آلاف النازحين أوضاعًا إنسانية بالغة القسوة داخل خيام مهترئة لم تعد تقوى على صدّ الرياح أو الأمطار، بعدما أنهكتها أشعة الشمس طوال شهور الصيف، ومنعتها قيود الاحتلال من أن تُستبدل أو تُرمَّم.
في المخيمات الممتدة من شمال القطاع حتى جنوبه، تتصاعد المخاوف كل مساء من مطرٍ مفاجئ تتسرب مياهه إلى داخل الخيام التي لم تعد صالحة للسكن.
الخوف من الغرق
تقول أم محمود، وهي نازحة من حي الزيتون في غزة:"خيمتنا ممزقة من الجوانب، وضعنا عليها قطعًا من النايلون، لكن الهواء يدخل من كل مكان. مع أول مطر، لا نعرف أين سنذهب أو كيف سنحمي الأطفال."
ورغم الوعود المتكررة بإدخال مواد إغاثية وخيام جديدة، ما يزال الاحتلال الإسرائيلي يمنع دخولها عبر المعابر، ما فاقم مأساة آلاف العائلات التي فقدت منازلها خلال الحرب.
ويؤكد المواطنون أنهم بحاجة إلى الكثير من البضائع التي ما تزال ممنوعة حتى اللحظة، خاصة الأغطية والخيام والأواني والملابس التي فقدوها داخل منازلهم المدمرة، والتي إن وُجدت فهي تُباع بأسعار فلكية بسبب ندرتها.
يقول أبو سامر، أحد النازحين في مخيم دير البلح:"نخاف من كل غيمة تمر فوقنا، لأن المطر بالنسبة لنا ليس رحمة هذه المرة، بل خوف من الغرق والبرد."
ويشير إلى أنه نازح من شمال القطاع منذ أكثر من ستة أشهر، وقد اصطحب معه خيمته التي كان يستخدمها هناك، موضحًا أن أشعة الشمس أدت إلى تآكل أجزاء منها، فضلًا عن فكها وتركيبها أكثر من مرة بسبب النزوح المتكرر.
وطالب أبو سامر بتوفير الخيام والشوادر، لأنها من أهم احتياجات الغزيين في هذه المرحلة، قائلًا:
"رضينا بالخيام وعيشتها المرة، لكن يبدو أن العالم عاجز عن توفيرها لنا. عن أي حقوق إنسان يتحدثون؟"
تؤكد مؤسسات حقوقية وإنسانية أن استمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات الإغاثية يشكّل "عقوبة جماعية" بحق سكان القطاع، داعية إلى تحرك عاجل لإنقاذ آلاف النازحين قبل أن يتحول الشتاء إلى كارثة إنسانية جديدة.
كارثة وشيكة والاحتلال يماطل
وحذّر المكتب الإعلامي الحكومي في غزة من كارثة إنسانية وشيكة مع اقتراب فصل الشتاء، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي في منع إدخال الخيام والشوادر وغاز الطهي إلى قطاع غزة، رغم الدمار الواسع الذي لحق بمنازل المدنيين ومراكز الإيواء.
وقال إسماعيل الثوابتة، مدير المكتب، في تصريحات له، إن هذا المنع يفاقم معاناة أكثر من مليون ونصف المليون نازح يعيشون في العراء أو داخل خيام متهالكة لا تقيهم البرد ولا تحميهم من الأمطار، مؤكدًا أن منع إدخال مواد الإيواء والوقود وغاز الطهي يشكّل جريمة مركبة تمسّ أبسط الحقوق الإنسانية، وتتعارض مع أحكام القانون الدولي واتفاقيات جنيف التي تُلزم قوة الاحتلال بتوفير الاحتياجات الأساسية للمدنيين.
بدورها، أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، اليوم السبت، أن الاحتلال الإسرائيلي ما زال يرفض السماح بدخول الخيام والمساعدات الإغاثية التابعة للوكالة إلى قطاع غزة، رغم الحاجة الإنسانية الماسّة.
ونقلت مصادر صحفية عن الأونروا قولها إن استمرار منع إدخال الخيام يفاقم معاناة مئات آلاف النازحين الذين فقدوا منازلهم جراء العدوان الإسرائيلي المستمر على القطاع منذ أكثر من عام، ويُبقيهم بلا مأوى مناسب مع اقتراب فصل الشتاء.
وأوضحت الوكالة أن القيود المفروضة من قبل الاحتلال تعطل جهود الاستجابة الطارئة، وتمنع وصول المساعدات الأساسية، بما في ذلك المواد الغذائية والطبية ومستلزمات الإيواء.
ودعت الأونروا المجتمع الدولي إلى الضغط على الاحتلال لفتح المعابر والسماح الفوري بإدخال المساعدات الإنسانية دون شروط، محذّرة من كارثة إنسانية متفاقمة في حال استمرار الحصار وتعطيل الإغاثة.
ويُشار إلى أن إجمالي ما دخل إلى القطاع من مساعدات منذ بدء سريان قرار وقف إطلاق النار لا يتجاوز 28 في المئة من الكميات التي يُفترض أن تدخل وفق ما نصّت عليه ترتيبات اتفاق وقف إطلاق النار والتفاهمات الإنسانية المصاحبة له.
وكانت الأمم المتحدة قد دعت إلى تسريع وتوسيع إدخال مواد الإيواء إلى قطاع غزة قبل حلول فصل الشتاء، في ظل تدهور الأوضاع الإنسانية واستمرار القيود الإسرائيلية على دخول المساعدات.
في غزة، لا يحمل الشتاء هذا العام ملامح الخير والخصب كما جرت العادة، بل يأتي محمّلًا بالخوف والوجع، يطرق أبواب الخيام البالية التي لا تملك سوى الصمود في وجه الريح والمطر، بانتظار دفءٍ مؤجّلٍ، وسقفٍ لا يسقط مع أول عاصفة.