انقطاع العلاج ومنع التحويلات يقتل مرضى السرطان في غزة

IMG_3457.jpeg
IMG_3457.jpeg

الرسالة مت - خاص

مع كلّ يوم يمرّ في غزة، تتساقط أحلام جديدة لمرضى السرطان الذين وجدوا أنفسهم في سباقٍ خاسر مع الوقت. أجساد أنهكها الورم، وقلوب تتشبّث بالحياة، لكنها تصطدم بواقعٍ لا دواء فيه ولا أشعة ولا فرصة للخروج للعلاج. في غرفٍ باردة بلا كهرباء، وفي خيام نزوح لا تقي حرًّا ولا بردًا، ينام المرضى على أوجاعهم ويستيقظون على سؤالٍ أكبر من قدرتهم على احتماله: هل سيصل الدواء أولًا، أم يسبقهم القدر؟

عجز طبي شامل

أدّت الحرب إلى تدمير أقسام طبّية متخصصة، ونفاد شبه كامل للمستلزمات الأساسية وأدوية الأورام، ما جعل تقديم بروتوكولات العلاج الكيميائي أو الإشعاعي شبه مستحيل. وتقول الطواقم الصحية إن عشرات المرضى دخلوا مرحلة “الانتكاسة الحادّة” بعد انقطاع العلاج الذي كان يمنع الورم من الانتشار.

كما توقّف العلاج الإشعاعي بالكامل بعد خروج مستشفى الصداقة التركي ومركز الرنتيسي عن الخدمة، ما ترك مئات المرضى من دون بديل.

في إحدى خيام النزوح جنوب القطاع، تجلس سُهى حسن –المصابة بسرطان الثدي– وقد فقدت جزءًا كبيرًا من وزنها. كانت تتلقّى علاجها بانتظام قبل الحرب، لكن الدواء انقطع فجأة.

تشتكي سُهى من تدهور حالتها الصحية بعدما توقّفت جرعات العلاج الكيميائي التي كانت تتلقّاها أسبوعيًا في المستشفى التركي. تقول:

“أخشى التقاط عدوى خطيرة من شدّة الاكتظاظ وتفشّي الأمراض المعدية. العلاج توقّف فجأة. كنت أتناول جرعة أسبوعية، واليوم ما في دواء ولا مستشفى. المرض عم يتقدم، وأنا كل يوم بخسر من قوتي.”

وتؤكد أنها شاهدت مرضى فقدوا حياتهم بسبب الانقطاع الطويل للعلاج، الأمر الذي يفاقم معاناة الباقين وينشر بينهم الخوف واليأس.

على سرير المرض، ترقد الأربعينية سهير محمد منذ ثلاثة أشهر بانتظار تحويلة تسمح لها بالسفر لاستكمال علاجها. تقول:

“السرطان بدأ يتفشّى في جسدي بعد أن انتقل من ظهري إلى الرئة ثم إلى الكبد. أليس من حقّنا العلاج كباقي البشر؟ أتمنى أن أسافر قبل فوات الأوان.”

لا تستطيع سهير الجلوس نتيجة الألم الشديد في ظهرها، وتؤكّد أن علاجها غير متوفر، وأن المسكنات لم تعد تُجدي مع تدهور وضعها، واصفة ما يجري بأنه عقاب جماعي يفرضه الاحتلال على المرضى في القطاع.

ذات الحال تعيشه الطفلة صفاء (7 أعوام)، المصابة بسرطان الدم، والتي تحتاج لتحويلة عاجلة للعلاج خارج غزة. تقول والدتها:

“قدّمنا أكثر من مرة وما إجانا رد. صفاء تسألني كل يوم: ماما متى أسافر؟ وما بقدر أجاوب.”

كانت الطفلة تركض وتلعب قبل أشهر قليلة، لكنها اليوم تقضي معظم وقتها نائمة، بعدما لم يعد جسدها الصغير يحتمل غياب الدواء.

آلاف بلا علاج

يشير الأطباء إلى أن نحو نصف مرضى السرطان البالغ عددهم 12,500 مريض لا يتلقّون أي علاج بعد توقّف معظم عمليات العلاج الكيميائي والإشعاعي.

ووفق وزارة الصحة، فإن 10 آلاف مريض سرطان مسجلون في القطاع، بينما يُضاف نحو 1000 مريض جديد سنويًا، 35% منهم نساء مصابات بسرطان الثدي.

وتؤكّد الإحصائيات أنه خلال عامين من الحرب، أضيفت 4 آلاف حالة جديدة، وأن 60% من المرضى يحتاجون للعلاج في القدس لعدم توفر علاجات متقدمة في غزة.

كما أعلنت الوزارة عن وفاة 1500 مريض سرطان منذ 7 أكتوبر 2023 وحتى يونيو الماضي بسبب عدم تلقي العلاج، بمعدل حالتَي وفاة يوميًا.

قتل بطيء

بدوره، عبّر مركز غزة لحقوق الإنسان عن “قلق بالغ” إزاء التدهور غير المسبوق في أوضاع مرضى السرطان والفشل الكلوي، مؤكدًا أن منع دخول الأدوية وقطع غيار الأجهزة وتشديد قيود السفر يشكّل سياسة قتل بطيء بحق آلاف المرضى.

وأشار المركز إلى أن النساء يشكّلن 52% من مرضى السرطان، وأن استمرار المنع والتقييد “يحوّل المرضى إلى ضحايا للعقاب الجماعي”.

كما لفت إلى أن نقص أدوات التشخيص أدى إلى تشخيص نحو 1000 حالة فقط خلال الفترة الأخيرة، بينما يُقدّر وجود 3000 حالة غير مشخصة تواجه خطر تفاقم المرض دون رعاية.

أما انقطاع العلاج الكيميائي والعلاجات الموجهة منذ أكتوبر 2023، فقد تسبب في وفاة 615 مريضًا على الأقل، بينهم 179 حالة في الربع الأول من عام 2025.
بين خيام النزوح وغرف المستشفيات المتآكلة، يخوض مرضى السرطان في غزة حربًا مزدوجة؛ حربًا مع المرض، وأخرى مع واقع صحيّ محاصر.
وقصص سُهى وسهير وصفاء ليست إلا نماذج من معاناة تمتدّ إلى آلاف المرضى الذين ينتظرون فرصةً للنجاة، بينما يمضي الوقت بلا رحمة.