انتظار طويل يحاصر سكان شمال غزة.. مرحلة العودة ما تزال معلّقة

خاص- الرسالة نت

رغم مرور شهر ونصف على توقف الحرب في قطاع غزة، ما يزال عشرات الآلاف من سكان شمال القطاع يعيشون حالة ترقب ثقيلة، بانتظار تنفيذ المرحلة الثانية من خطة العودة إلى مناطقهم.

معظم أحياء جباليا وبيت لاهيا وبيت حانون ما تزال مصنفة ضمن هذه المرحلة، التي لم يسمح للسكان بدخولها حتى الآن، ما يجعل حياة الناس معلقة بين ذاكرة البيوت المدمرة وواقع النزوح القاسي.

وفي الوقت الذي نجح فيه جزء من سكان الجنوب والوسط ومدينة غزة بالعودة التدريجية إلى منازلهم، يظل الشمال عالقا بين الإجراءات والظروف الميدانية، تاركا آلاف العائلات في الخيام أو داخل مراكز الإيواء.

ويزداد الضغط النفسي والاجتماعي على السكان كلما مرّ يوم جديد دون أن تلوح في الأفق أي مؤشرات على فتح المنطقة بشكل كامل.

انتظار مأساوي

المشهد في الشمال اليوم لا يتعلق فقط بالدمار الواسع، بل بالانتظار الطويل الذي يطول بلا إجابة، حيث يقول المواطن أنور رامي، النازح حاليا في مخيم النصيرات، إن الحنين إلى مخيم جباليا "لا يهدأ أبدا"، وإنه يعيش كل يوم على ذكرى منزله وأزقة المخيم التي ترعرع فيها.

ويضيف: "توقف الحرب لم يغير من واقعه كثيرا، لأن المرحلة الثانية ما تزال مغلقة، ما يجعله يشعر بأن العودة أبعد مما كان يتوقع".

ويوضح أنور أن مخيم النصيرات، رغم أنه ملاذ آمن مؤقت، لا يمنحه الإحساس بالاستقرار، فهو يعيش مع أسرته في خيمة صغيرة تفتقر لأبسط أساسيات الخصوصية.

ويقول إن أكبر ما يؤلمه هو أن أطفاله فقدوا ارتباطهم الطبيعي بمحيطهم القديم، وبدأوا يعتادون على حياة النزوح التي لم تكن يوما خيارا.

ويشير أنور إلى أنه يتابع الأخبار المتعلقة بخطة العودة يوميا، ويعيش على أمل أن يكون اليوم التالي مختلفا، "كل ما أريده هو خبر رسمي واحد يسمح لنا بالعودة"، ومع ذلك، يؤكد أنه مستعد للعودة حتى لو كان منزله بلا جدران.

ويختم حديثه بالقول إن الصبر أصبح جزءا من يومياته، لكنه يخشى أن يطول أكثر من اللازم، "جباليا ليست مكانا فقط.. هي حياتي وتاريخي وذكرياتي كلها، وأعرف أننا سنعود لكن انتظار تلك اللحظة هو الأمر الأكثر قسوة".

في حين، نصب عبد الله المقيد خيمته في منطقة بركة أبو راشد وسط مخيم حباليا، وهي أقرب نقطة يسمح للسكان بالوصول إليها، حيث يبعد منزله عن المكان عشرت الأمتار فقط. يقول: "أشاهد ركام بيتي من بعيد يوميا، لكنني لا أستطيع الوصول إليه. هذه المسافة القصيرة تتحول إلى جدارٍ هائل يمنع عودتي".

ويصف عبد الله الوضع بأنه أكثر قسوة مما يتخيله أي إنسان، لأن النازح عادة يعيش بعيدا عن بيته، لكن أن يكون المنزل المدمر قريبا لدرجة رؤيته دون إمكانية الوصول إليه، فهذا يضاعف الشعور بالعجز.

ويقول إن هذه المنطقة تمثل "خط العودة غير المكتمل"، وإن انتظار فتح المرحلة الثانية أصبح جزءًا من تفاصيل يومه.

ورغم قربه من ركام بيته، فإن الخيمة التي يعيش فيها لا توفر أي نوع من الراحة، خاصة في الليل، ويقول إن دخول فصل الشتاء يزيد إحساسه بالبرد والغربة. ويؤكد أن ما يزيد المعاناة هو غياب الخدمات والمواد الأساسية، إضافة إلى الحاجة للدواء والماء والطعام في منطقة شبه مفتوحة لا تتوفر فيها إلا مساعدات محدودة.

ويتابع: "أريد فقط الجلوس على ركام منزلي، المهم أن أكون على أرضي"، معبرا عن أمله بأن تنفذ المرحلة الثانية قريبا، ليضع حدا لرحلة الانتظار، ويؤكد أن العودة ليست رفاهية بل حاجة ملحّة تعيد للعائلات كرامتها واستقرارها.

محاولات للنهوض

ويعمل أبو خالد، أحد أعضاء اللجان العاملة في مشروع بيت لاهيا على متابعة إصلاح البنية التحتية المتضررة، ويقول إن المشروع يسعى إلى إعادة المياه تدريجيا للمناطق التي تضررت شبكاتها بشكل كامل، وإن ذلك يمثل خطوة أساسية تشجع الأهالي على التفكير في العودة.

ويوضّح أن العمل في هذه المناطق يتم بجهود محدودة، لكنها تحدث أثرا ملموسًا لدى السكان. "حين يرى الناس أن المياه بدأت بالعودة وأن الشوارع تفتح، يعود الأمل مباشرة"، مؤكدا أن الأهالي مستعدون للعودة حتى لو كانت الخدمات في حدها الأدنى.

ورغم هذه الجهود، يشير أبو خالد إلى وجود تحديات كبيرة تعيق العمل، أهمها انخفاض التمويل وقلة المواد الخام، إضافة إلى نقص الآليات اللازمة لإزالة الركام وصيانة الأنابيب، ويقول إن الفريق يعمل بإمكانيات تكاد لا تذكر مقارنة بحجم الدمار الهائل.

ويختم أبو خالد حديثه، بأن المساعدات لم تصل إلى بيت لاهيا بالشكل المطلوب، وأن ما يصل عادة يكون قليلا جدا وغير كافٍ لتغطية الاحتياجات الأساسية للمشروع.

ومع ذلك، يؤكد أن الإرادة الشعبية وحرص الأهالي على العودة هما العنصران اللذان يبقيان العمل مستمرا، على أمل أن تفتح المرحلة الثانية قريبا أبواب الشمال أمام سكانه مجددا.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير