في خرق للاتفاق

الخط الأصفر يتقدم غربا وعائلات تفترش الأرض بحثا عن نجاة

خاص-الرسالة نت

لم يكد أهالي أحياء الشجاعية والتفاح يلتقطون أنفاسهم بعد أسابيع طويلة من الترميم الأولي لمنازلهم المدمرة، حتى عاد شبح النزوح ليطاردهم من جديد.

ففي ساعات الليل المتأخرة، وسّع جيش الاحتلال نطاق “المنطقة الصفراء”، ليحوّل الأحياء السكنية إلى مناطق محظورة، ويدفع سكان أجزاء واسعة شرق مدينة غزة إلى رحلة نزوح جديدة نحو المجهول.

 

إلى المجهول من جديد

يقول محمد عبد الحميد، أحد سكان حي التفاح: «الحرب عادت من جديد. حاولنا أن ننسى مشهد النزوح ونحن نجرّ أطفالنا وأمتعتنا، لكن الاحتلال يصرّ على تنغيص حياتنا وإجبارنا على تكرار هذا المشهد من وقت لآخر».

ويؤكد أن أصوات إطلاق النار وقذائف الدبابات لم تتوقف منذ إعلان وقف إطلاق النار، إلا أن الليلة الماضية شهدت تقدّمًا لآليات الاحتلال والدبابات مع تغطية نارية كثيفة، ما تسبب في هلع الأهالي ونزوحهم من المنطقة.

ويضيف أن عائلته بدأت تستقر حديثًا بعد أن بذلت جهدًا كبيرًا في ترميم جزء من منزلها: «منزلنا كان ركامًا، أصلحنا غرفتين كي نعيش فيهما بدل الخيام، لكننا اضطررنا للنزوح مجددًا».

وقد أمضت عشرات العائلات أيامًا طويلة في محاولة إصلاح ما تبقّى من منازلها—جدران غير مكتملة، نوافذ بلا زجاج، وأسقف مغطاة بألواح “زينقو”.

ورغم بساطة ما أعادوه، فإنه كان يمثل لهم ملاذًا نفسيًا يعيد بعض ملامح الحياة. لكن توسعة “المنطقة الصفراء” دفعتهم لترك هذه البيوت مرة أخرى، ليجدوا أنفسهم في الشوارع والأرصفة بانتظار مكان آمن لا يعرفون إلى أين يكون.

وشهدت عدة مناطق شرقي القطاع، بمحاذاة «الخط الأصفر»، توغّلًا بريًا للآليات العسكرية الإسرائيلية، متجاوزةً حدود السيطرة المؤقتة وفق الخطة التي اعتمدتها الإدارة الأميركية لوقف الحرب.

ووصلت آليات الاحتلال إلى المناطق الغربية من حي الشجاعية التي انسحبت منها سابقًا مع بدء اتفاق وقف إطلاق النار، وسط قصف مدفعي مكثّف، ما أدى إلى محاصرة عائلات داخل منازلها ومنعها من الخروج، بينما اضطرت عائلات أخرى للنزوح غربًا.

كما هاجمت مُسيرات «كواد كابتر» الإسرائيلية أهالي حي التفاح عبر إطلاق القنابل والرصاص، ما أدى إلى إصابات في صفوف المدنيين، وفق شهادات السكان.

ويمثل «الخط الأصفر» الحدَّ الذي انسحبت إليه قوات الاحتلال في المرحلة الأولى من اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول الماضي.

 

خرقٌ للاتفاق

وأكد المكتب الإعلامي الحكومي في غزة أنّ الاحتلال ارتكب مجزرة جديدة في خرق فاضح لقرار وقف إطلاق النار، بعد أقل من 24 ساعة على قصفه مدينتي غزة وخان يونس، والذي أسفر عن استشهاد 25 فلسطينيًا.

وأوضح المكتب أنّ الاحتلال نفّذ اعتداءً جديدًا عبر التوغّل شرقي المدينة، وتغيير مواقع العلامات الصفراء، وتوسيع المنطقة العسكرية بمعدل 300 متر في شوارع الشعف والنزاز وبغداد، ما أدى إلى محاصرة عشرات العائلات وسط قصف مكثف.

وأشار إلى أن الاحتلال ارتكب منذ بدء وقف إطلاق النار نحو 400 خرق، بينها 113 عملية إطلاق نار مباشر، و17 توغّلًا بريًا، و174 عملية قصف واستهداف، إضافة إلى 85 عملية نسف لمنازل ومنشآت مدنية، ما أسفر عن استشهاد أكثر من 300 فلسطيني وإصابة المئات، وفاقم من المأساة الإنسانية لسكان القطاع.

بدورها، قالت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) إن الاحتلال يواصل تغيير «الخط الأصفر» بشكل يومي باتجاه الغرب، في خرق واضح للخرائط المتفق عليها، داعيةً الوسطاء إلى التدخل لوقف هذه الانتهاكات فورًا.

في الطرقات تتناثر قصص موجعة:أمّ تحمل أطفالها الثلاثة بعد أن أعادت ترميم منزلها «حجرًا فوق حجر»، وكبار سن يجلسون على الرصيف بملابسهم الثقيلة المغبرة، يحدقون في أحيائهم التي تُفرغ من سكانها مرة أخرى.

مشاهد النزوح العائدة اليوم إلى الشجاعية والتفاح ليست مجرد انتقال سكان من مكان إلى آخر، بل فصل إنساني جديد يُكتب تحت الضغط والخوف والجوع والبرد.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير