مساء دام آخر في غزة .. هدنة يتحدّث عنها العالم وتكذّبها صواريخ الاحتلال 

الرسالة نت - خاص

خيّم مساء دامٍ جديد على قطاع غزة، في وقت لا تزال فيه الهدنة المعلَنة حبرًا على ورق، تُكرّرها المؤتمرات الدولية وتكذّبها الصواريخ التي تهبط كل ليلة فوق رؤوس المدنيين. 

فعلى الرغم من استمرار الحديث عن وقفٍ لإطلاق النار، فإن سكان غزة لا يسمعون من الهدنة سوى صدى الكلمات، بينما تكشف الانفجارات حقيقة الواقع الذي يعيشونه.

وقد تجددت الهجمات الإسرائيلية مساء أمس في مفترق العباس وشارع اللبابيدي غرب مدينة غزة، حيث استهدف قصفٌ مباشر سيارة مدنية ومبنى يقطنه نازحون، ما أدى إلى سقوط عدد من الشهداء والجرحى بينهم أطفال.

ووصلت إلى المكان طواقم الدفاع المدني التي بات أفرادها يهرعون بين مواقع الاستهداف، يجمعون الجثامين وكأنهم يجمعون ما تبقى من قلوبهم.

وفي النصيرات، أصابت غارة جوية محيط مخبز البنّا، حيث تحوّل منزل صغير ملاصق للمخبز إلى ركام محترق. 

المشهد كان قريبًا جدًا من المدنيين الذين كانوا ينتظرون حصتهم من الخبز، ومن الأطفال الذين اعتادوا الوقوف في طوابير الطحين. 

وفي النصيرات أيضًا وقعت مجزرتان منفصلتان؛ الأولى استهدفت منزل عائلة أبو أمونة وأسفرت عن سقوط ثلاثة شهداء، والثانية ضربت منازل عائلة أبو شاويش في مخيم 2 وأدت إلى ارتقاء سبعة شهداء دُفنوا تحت الركام بينما كان الجيران يحاولون رفع الأنقاض بأيديهم.

وقد نُقل عدد من الشهداء والمصابين إلى مستشفى العودة، التي باتت تعيش على وقع خروقات متكررة تعرفها أكثر مما تعرف الهدوء.

كما استُهدفت منطقة محيط مسجد بلال بن رباح في دير البلح، ما أسفر عن استشهاد ثلاثة مواطنين. 

ووفق الحصيلة الرسمية، ارتفع عدد الشهداء الذين قضوا خلال ساعات قليلة إلى أربعة وعشرين شهيدًا، في واحدة من أكثر أيام الهدنة دموية منذ سريان اتفاق وقف إطلاق النار. وامتدت الاعتداءات لتصل إلى خان يونس، حيث أصيب مواطن برصاص الاحتلال قرب مطعم رمضان، في منطقة اعتاد الناس ارتيادها لرائحة الطعام لا لرائحة الدم.

وفي الوقت الذي تتزايد فيه الهجمات، تواصل "إسرائيل" التحدث بوقاحة عن “التزامها بالاتفاق”، وتصف ما يجري بأنه “ردود ضرورية”، بينما تكتفي الولايات المتحدة بتكرار تصريحات الدعم والقلق دون أي خطوة عملية توقف الانتهاكات.

العالم، كالعادة، يشاهد؛ لا يرفع صوته، لا يضغط، لا يتحرك؛ بل يكتفي ببيانات باهتة تنتهي دائمًا بعبارة: ندعو إلى ضبط النفس… ثم وحدها غزة تضبط أنفاسها وسط الردم والدخان.

وفي بيان رسمي، أكد المكتب الإعلامي الحكومي أن الاحتلال ارتكب 497 خرقًا موثقًا لوقف إطلاق النار منذ دخوله حيز التنفيذ، بينها 27 خرقًا خلال يوم السبت وحده، نتج عنها 24 شهيدًا و87 إصابة. 

وأشار البيان إلى أن الخروقات منذ بدء الهدنة أدت إلى استشهاد 342 مدنيًا وإصابة 875 آخرين، إلى جانب اعتقال 35 مواطنًا خلال عمليات التوغل المتواصلة. 
كما شملت الاعتداءات إطلاق نار مباشر على المنازل وخيام النازحين، وعمليات توغل تجاوزت الخط الأصفر، وقصفًا بريًا وجويًا ومدفعيًا، إضافة إلى مئات عمليات هدم المنازل والمنشآت المدنية.

وحذّر البيان من أن استمرار هذه الانتهاكات يقوّض أي فرصة للحفاظ على التهدئة، محمّلًا الاحتلال المسؤولية الكاملة عن تداعياتها الإنسانية والأمنية، وداعيًا الرئيس الأميركي دونالد ترامب والدول الضامنة إلى التدخل الجاد لوقف الاعتداءات وضمان احترام الاتفاق.

ورغم كل ذلك، تبقى غزة متمسكة بالحياة. المدينة التي تسير فوق رماد لا ينتهي، ما تزال تقول بصمتها وبوجوه أبنائها إن هذه الأرض لا تخضع، حتى لو صمت العالم بأسره.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من سياسي