على أطلالِ بيتٍ غابت جدرانُه وبقيت روحُه معلّقةً في الهواء، يقف الحاجّ سيّد الشريف كلَّ صباح، يستند إلى عكازَيْه ويُنادي بصوتٍ يختلط فيه الرجاءُ بالقهر:
"نضال؛ أحمد؛ آلاء؛ يحيى؛ حمزة… يا أبنائي، أنا عندكم. السلامُ على أرواحكم النقيّة… السلامُ عليكم في دارِ الخُلْد."
في السابع من ديسمبر/كانون الأول 2023، تحوّل منزل إمام المسجد، سيد الشريف، شرق غزة، إلى عاصفة من نارٍ وتراب. قصفته طائرات الاحتلال ببراميل متفجّرة، أهالت خمسة طوابق دفعة واحدة، دفنت من فيها، ودفعت بالحيّ كلّه إلى الركض نحو زلزال الموت.
داخل ذلك البيت كانت عائلاتٌ نازحة احتمت به من القصف، ومعها أبناء الحاج سيد وزوجاتهم وأطفالهم؛ نحو أربعين إنسانًا كانوا ينتظرون فجراً لا يشبه هذا الفجر.
يقول الحاج سيد: "أولادي وزوجاتهم وأحفادي كانوا معي في الطابق السفلي، كنا نعدّ الصواريخ والقذائف ونخفي خوفنا عن الصّغار، ثم سقطت الأسقف فوقنا دفعة واحدة."
نجا الأب، أخرجوه من تحت الردم بإصابة بالغة في قدميه. أما أحبته الخمسة، وزوجاتهم، وأحفاده الصغار، فلم يخرج منهم أحد. صار البيت مقبرة جماعية؛ مقبرة بلا شواهد، يعرفها سيد جيداً، يحفظ مكان كل غرفة وكل ضحكة وكل خطوة تركوها خلفهم.
ولم يبق له اليوم سوى ابنه السادس الذي لم يكن في المنزل ساعة القصف.
يمشي سيد فوق الركام كل يوم، يضغط على عكازيه كمن يجرّ روحه خلفه، يقف فوق المكان الذي ابتلع أبناءه، ويقول:
"أسمع أصواتهم ينادونني… أعلى من أصوات الناس حولي… كلما ناديتهم يردّون."
ليل الحاج سيد ثقيلٌ وقاسٍ. لا ينام. يتوضأ مراتٍ كثيرة، يذهب إلى المسجد بخطواتٍ مُتعبة ودموعٍ لا تحتاج إلى إذن. يصلي، ثم يرفع يديه إلى السماء: "يا رب… ثبّت قلبي… وتقبّلهم… واجمعني بهم."
في الشارع، يعرفه الجميع. يمرون بجانبه خائفين من وجعه، عاجزين عن قول شيء. كيف يُعزّى رجلٌ دفن خمساً من فلذات كبده دفعة واحدة؟ كيف يُخفَّف عن والدٍ صار بيته شاهداً على أكبر خساراته؟ ولا زالوا ينتظرون قبورا تليق بهم وبوجع والدهم.
لكن الحاج سيد لا يطلب العزاء. كل ما يريده، كما يقول، أن يبقى اسمهم حيّاً: "لا أريد أن تُنسى أصواتهم… كانوا نور حياتي. وأريد للعالم أن يعرفهم واحداً واحداً، كما أعرف نبضاتهم في صدري."
في بيت الحاج سيد، مأسـاة تحمل كل الوجوه: الأب، والجد، والبيت، والمسجد، والذاكرة، والصوت الذي يظل يعلو رغم الركام.
وهناك، فوق الأرض التي صارت تراباً من دمه ودم أحبته، يقف سيد كل يوم ويردد:
"أنا لست وحدي… أبنائي معي… وإن غابوا عن عيني، فهم في كنف الله."