في تحقيق استقصائي صادم، كشفت شبكة CNN الأميركية تفاصيل مروّعة حول ما جرى للفلسطينيين الذين خرجوا بحثًا عن كيس طحين من شاحنات الإغاثة قرب معبر زيكيم شمال قطاع غزة، لتتحول رحلة الجوع إلى رحلة موت، دفن خلالها العشرات تحت الرمال بالجرافات الإسرائيلية، وسط إطلاق نار مباشر على المدنيين وترك جثامينهم تتعفن في العراء.
القصة تبدأ مع الشاب عمّار وادي، الذي كتب على شاشة هاتفه قبل أن يخرج طلبًا للطحين: “سامحيني يا أمي لو صار لي شيء… ومن يجد هاتفي فليخبر أهلي أني أحبهم كثيرًا.”
خرج وادي مثل آلاف الغزيين الذين خاطروا بحياتهم أمام رصاص الجيش الإسرائيلي، لكنه لم يعد. وبعد أسابيع عُثر على هاتفه، بينما بقي مصيره مجهولًا، كما هو حال عشرات الشباب الذين اختفوا في المنطقة نفسها.
تقول والدته لـCNN إن فكرة عدم معرفة ما حلّ بابنها هي الجرح الذي لا يندمل: “عندما أتذكره، لا تتوقف عيناي عن البكاء… نريد فقط أن نعرف ماذا حدث لابننا.”
التحقيق يكشف أن إطلاق النار على طالبي المساعدات كان ممارسة روتينية طوال الصيف الماضي. مئات الفيديوهات التي حلّلتها CNN أظهرت فلسطينيين يفرون حاملين أكياس الطحين تحت وابل من الرصاص الإسرائيلي، بينما يسقط آخرون مضرجين بدمائهم.
خبراء الصوت الذين استعانت بهم الشبكة حدّدوا موقع إطلاق النار على بُعد 340 مترًا من نقطة عسكرية إسرائيلية مثبتة بالأقمار الصناعية، في دليل قاطع على أن الجنود كانوا يستهدفون المدنيين مباشرة. ورغم ذلك، اكتفى الجيش الإسرائيلي بالقول إنه "لا يطلق النار عمدًا على المدنيين".
لكن الرعب الحقيقي لم يبدأ إلا بعد سقوط الضحايا. فبحسب الصور وشهادات السائقين والعمال والمسعفين، كانت جرافات الجيش الإسرائيلي تتحرك بشكل دائم قرب المعبر، وتقوم بجمع الجثث وطمرها في الرمال، تاركة بعضها نصف مدفون وبعضها الآخر نهبًا للكلاب.
أحد السائقين الذين يعملون في نقل الإغاثة قال للشبكة: “كل يوم أرى الجرافات تدفن الناس… كنت أغلق النوافذ كي لا أشم رائحة الموت.” سائق آخر وصف المنطقة بأنها “مثلث برمودا… لا أحد يعرف ما يحدث هناك ولن يعرف أحد.”
وفي مشهد يندى له الجبين، وصلت طواقم الدفاع المدني بعد أيام من إحدى المجازر لتجد شاحنة إغاثة مقلوبة، وحولها جثث متحللة، بعضها منخور بفعل الكلاب. أحد عناصر الدفاع المدني قال: “لم نتمكن إلا من حمل 15 جثة… وبقي نحو 20 تحت الرمال لم نستطع الوصول إليها.” ورغم توجيه الأسئلة، لم يقدّم الجيش الإسرائيلي أي تفسير لما حدث هناك.
من جانب آخر، عزز التحقيق شهادات من داخل الجيش الإسرائيلي ذاته. أحد الجنود السابقين أكد أن تسع جثث لفلسطينيين عزّل تُركت لأيام قرب موقع عسكري في “ممر نتساريم” قبل أن يُطلب من الجرافات دفنها دون أي توثيق أو تحديد للمكان.
وقال الجندي: “رأيت الكلاب تأكل الأجساد… دون أن تُلتقط صورة واحدة لتوثيق هوياتهم. كانت رائحة الموت لا تُحتمل.”
جندي آخر، وهو ضابط سابق، تحدث عن غياب كامل لأي تعليمات حول كيفية التعامل مع جثامين الفلسطينيين خلال الحرب، مضيفًا أن الجثث كانت تُزال بالجرافات عندما “تعيق الطريق”.
لا تتوقف الخلفية السوداء لهذه الممارسات عند زيكيم وحدها، فقد وثقت CNN ومنظمات أخرى دفن مئات الجثث في مقابر جماعية بلا شواهد، وتدميرًا ممنهجًا للمقابر الفلسطينية خلال التوغلات العسكرية، حيث نُبشت القبور وقُلبت التربة وظهرت عظام الموتى في الهواء الطلق.
وبحسب خبراء في القانون الدولي، فإن ما قام به الجيش الإسرائيلي يشكل انتهاكًا صارخًا لاتفاقيات جنيف، باعتبار أن طمر الجثث دون توثيق، وتشويهها أو تركها تتحلل، يُعد جريمة حرب مكتملة الأركان.
فالقانون الدولي يلزم الأطراف المتحاربة بدفن القتلى بطريقة تحفظ كرامتهم وتُمكّن ذويهم من التعرف عليهم. وهو ما لم يحدث في أي من الحالات التي وثقتها CNN.
في الوقت نفسه، تستمر عائلات المفقودين في البحث عن أي إشارة تقودهم إلى أحبّائهم. خرج بعض الأهالي إلى محيط زيكيم بحثًا عن آثار أقاربهم، ليجدوا أكوامًا من الرمال مخلوطة بصناديق الإغاثة، وروائح جثث مطمورة، وبقايا بشرية داستها الجرافات.
يقول عادل منصور الذي كان يبحث عن ابنه البالغ 17 عامًا: “وجدنا الجثث مدفونة مع كراتين الطحين… فوق بعضها البعض، كما لو أن أحدًا يريد إخفاء كل شيء.”
وبينما لا يزال مصير عشرات الشبان غامضًا، يبقى السؤال الأكثر إيلامًا: كم من الفلسطينيين خرجوا بحثًا عن كيس طحين، وكان مصيرهم الدفن تحت رمال زيكيم دون أن يعرف العالم أسماءهم؟