بعد مرور أكثر من شهرين على وقف إطلاق النار في قطاع غزة، ما زالت المأساة الصحية تتفاقم بصورة متصاعدة تنذر بكارثة إنسانية واسعة.
فعلى الرغم من توقف أصوات القصف، فإن جراح السكان لم تهدأ، والمستشفيات لم تستطع استعادة قدراتها، بل تزداد هشاشة يوما بعد الآخر بسبب الانهيار المتواصل في المنظومة الصحية.
أروقة المستشفيات تعج بالمرضى الذين ينتظرون علاجا مفقودا أو عملية مؤجلة، فيما يعمل الأطباء والممرضون في ظروف قاسية وسط نقص حاد في الأدوية والمعدات، الأمر الذي جعل القطاع الصحي عاجزا عن تلبية أبسط احتياجات المرضى.
وبينما يفترض أن تكون فترة ما بعد وقف النار فرصة لترميم الجراح، تبدو غزة وكأنها عالقة في حالة طوارئ مستمرة، تواجه فيها أزمة صحية غير مسبوقة تمس حياة الآلاف بشكل مباشر.
ويجد المرضى أنفسهم أمام معاناة مضاعفة، إذ يعيش كثير منهم على أمل السفر لعلاج إصابات خطيرة، بينما يتدهور وضعهم الصحي مع مرور الوقت.
واقع صادم
بدوره، قال الجريح نضال الدريني، الذي تعرض لإصابة بالغة في قدمه اليسرى خلال الحرب، إن وضعه الصحي يزداد سوءا كل يوم بسبب عدم توفر العلاج المناسب،
موضحا أنه كان ينتظر تحسن الظروف الصحية بعد وقف إطلاق النار، لكن الواقع كان صادما، فالمستشفيات تعمل بإمكانات شبه معدومة والكوادر الطبية منهكة لا تملك سوى تقديم الحد الأدنى من الرعاية.
وأكد الدريني أن جرحه بحاجة إلى تدخل جراحي فوري ودقيق، إلا أن انعدام المعدات اللازمة جعل العملية شبه مستحيلة في الوقت الراهن.
وأشار إلى أن احتمالية بتر قدمه اليسرى أصبحت أقرب من أي وقت مضى، بعدما أوضح له الأطباء أن استمرار تأخر العلاج يزيد التهديد المباشر على حياته ومستقبل قدمه.
ولفت إلى أنه لا يستطيع الحصول على المضادات الحيوية الضرورية لوقف الالتهابات، ما يجعل وضعه أكثر خطورة، معربا عن قلقه الشديد من إمكانية أن يستيقظ في أي لحظة ليجد أن قدمه لم يعد بالإمكان إنقاذها.
وتحدث الدريني بحسرة عن انتظاره المستمر لفتح المعبر والسفر لتلقي العلاج، معتبرا أن نافذة الأمل الوحيدة له تكمن في العلاج خارج القطاع، إذ إن مرور الوقت دون تدخل طبي متخصص يعجّل من قرار البتر وقد لا يترك له خيارا آخر.
وأضاف: "كل يوم يمر هو خسارة جديدة لصحتى، وما زلت أنتظر يوما أستطيع فيه الوصول إلى مستشفى قادر على إنقاذ قدمي قبل فوات الأوان".
رحلة من الألم
المشهد لا يقتصر على الكبار، فالأطفال كذلك يعيشون رحلة طويلة مع الألم، كما تروي مجدولين خليل، والدة الطفلة رهف ذات السبعة أعوام، التي أصيبت في بطنها قبل ستة أشهر ولم تتعافَ حتى اليوم.
وقالت مجدولين إن طفلتها تعاني من آلام مستمرة وإعياء متكرر، بينما تضطر للتنقل بين المراكز الطبية بحثا عن علاج مفقود أو فحص غير متاح، مؤكدة أن وضع رهف يحتاج متابعة دقيقة لم تعد المنظومة الصحية قادرة على توفيرها.
وتصف انهيار النظام الصحي بأنه السبب الأول في تعثر علاج طفلتها، فغياب الفحوص المخبرية المتخصصة ونقص الأطباء ذوي الخبرة وعدم توفر الأدوية الأساسية كلها عوامل تجعل رحلة العلاج شبه مستحيلة.
وأكدت أن مشاهد الازدحام والانتظار الطويل أصبحت جزءا من يوميات المرضى، في ظل عجز المستشفيات عن تقديم خدمات ثابتة أو منتظمة.
وختمت مجدولين حديثها بالإشارة إلى أن أكبر العقبات التي تواجهها تتمثل في صعوبة تأمين الأدوية الخاصة بالتهابات البطن التي تحتاجها رهف بشكل مستمر، "أشعر بالعجز أمام ألم ابنتي، فكل ما نحتاجه هو دواء أو متابعة طبيعية، لكن الواقع الصحي المنهار يجعل ذلك حلما بعيدا."
ووسط هذه المشاهد الإنسانية القاسية، تصدر وزارة الصحة في غزة تحذيرات مستمرة حول خطورة الوضع، مؤكدة أن القطاع الصحي وصل إلى مستويات غير مسبوقة من الانهيار.
وقالت الصحة: "مستويات غير مسبوقة من نفاد الأدوية والمستهلكات الطبية بنسبة 52% من قائمة الأدوية الأساسية رصيدها صفر، و71% من المستهلكات الطبية غير متوفرة تماما، إضافة إلى نفاد 70% من المستهلكات المخبرية بشكل كامل".
وشددت على أن الأزمة تتفاقم بوتيرة متصاعدة مع تزايد أعداد الجرحى والمرضى وارتفاع الحاجة للتدخلات العلاجية العاجلة.
ولفتت إلى أن خدمات الرعاية الأولية والجراحة والعمليات والعناية المركزة وعلاجات السرطان وأمراض الدم تواجه نقصا حادا في الأدوية الأساسية اللازمة لاستمرار تقديم الخدمة.
وأضافت: "أقسام العظام والكلى ووحدات الغسيل الكلوي والعيون والجراحة العامة والعمليات والعناية الفائقة تعمل تحت ضغط كارثي بسبب انعدام المستهلكات الطبية الحيوية، ونجدد مطالبتنا بتوفير إمدادات طبية عاجلة وفورية لضمان استمرار عمل الطواقم الطبية في الأقسام التخصصية وإنقاذ الحالات الحرجة".