أجساد مثقلة بالألم.. جرحى غزة بين النزف الصامت وانهيار التأهيل

أجساد مثقلة بالألم.. جرحى غزة بين النزف الصامت وانهيار التأهيل
أجساد مثقلة بالألم.. جرحى غزة بين النزف الصامت وانهيار التأهيل

الرسالة نت- خاص

في قطاع غزة، لا تنتهي الحرب بانتهاء القصف، بل تبدأ فصول أخرى أكثر قسوة، عنوانها الألم المزمن والعجز الدائم وانتظار العلاج في ظل منظومة صحية شبه منهارة.

آلاف الجرحى الذين نجوا من الموت المباشر يواجهون اليوم معركة مختلفة، معركة التأهيل المفقود والأطراف المبتورة والنفس المثقلة بالصدمة والخسارة.

وتحولت الإصابات الجسدية إلى أزمات إنسانية مركبة، تتداخل فيها المعاناة الصحية مع الفقر والنزوح والجوع، في وقتٍ تعجز فيه المستشفيات عن تلبية الحد الأدنى من احتياجات المصابين.

ولم يعد الجريح بحاجة إلى عملية جراحية فقط، بل إلى رحلة طويلة من العلاج النفسي والتأهيل الحركي، وهي رحلة باتت شبه مستحيلة داخل غزة.

جرحى محاصرون

ومع استمرار الحصار وإغلاق المعابر، يجد الجرحى أنفسهم محاصرين داخل دائرة مغلقة من الألم، حيث لا سفر للعلاج ولا مراكز تأهيل كافية ولا غذاء صحيا يعين الجسد على التعافي، في مشهد يلخص حجم الكارثة الإنسانية المتصاعدة.

ولم تكن شذا كريم، ذات الثمانية أعوام، تعلم أن ديسمبر 2023 سيغير حياتها إلى الأبد، ففي قصف استهدف منزل عائلتها، فقدت ساقها اليسرى لتدخل عالما لم تختره، عالم الألم والبتر والحرمان، بدل اللعب والدراسة والأحلام الصغيرة التي تليق بطفلة في عمرها.

وتعيش شذا اليوم أوضاعا نفسية وصحية بالغة السوء، بعد أن اضطرت للنزوح مع عائلتها إلى خيمة في منطقة الزوايدة.

وفي هذا المكان القاسي، تتضاعف معاناتها مع البرد والحر وغياب الرعاية الصحية وانعدام الخصوصية، فيما لا تزال تنتظر عملية تأهيل وتركيب طرف صناعي يعيد لها جزءا من قدرتها على الحركة والحياة.

وتحلم شذا بالسفر للعلاج في الخارج، كما أخبر ذووها، لكن إغلاق المعابر وانهيار الخدمات الطبية في غزة جعلا هذا الحلم مؤجلا إلى أجل غير معلوم.

وبين خيمة النزوح وواقع البتر، تكبر شذا قبل أوانها حاملة وجعا يفوق عمرها، في ظل غياب أي أفق قريب للتعافي.

معاناة مستمرة

ويقول الجريح خالد رضوان، بصوت مثقل بالتجربة: "فقدت ذراعي الأيمن في القصف، وأصبت إصابة بالغة في بطني، ومنذ ذلك اليوم تغيرت حياتي بالكامل".

ولم يعد خالد قادرا على العمل، أو إعالة أسرته كما كان، وأصبح يعتمد على الآخرين في أبسط تفاصيل يومه.

ويضيف خالد: "الألم الجسدي مستمر، لكن الألم النفسي أقسى، أشعر بالعجز في كل مرة أحاول القيام بما كنت أفعله سابقا بسهولة".

ومع غياب برامج التأهيل المناسبة، تتفاقم معاناته، إذ لا يتوفر له العلاج المتخصص الذي يساعده على التكيّف مع الإعاقة واستعادة جزء من استقلاليته.

ويتابع: "نعيش في ظروف صعبة، غذاء غير كاف ودواء شحيح ومستقبل غامض، الجريح في غزة لا يحتاج فقط إلى علاج، بل إلى كرامة، وإلى فرصة حقيقية للحياة من جديد".

وفي هذا السياق، يؤكد مدير مستشفى التأهيل في مستشفى الأمل التابع للهلال الأحمر الفلسطيني في خانيونس، الدكتور طارق الحفني، أن قسم التأهيل يستقبل حاليا نحو 100 جريح ومريض يعانون من إعاقات حركية، ويتلقون العلاج والتأهيل المتاحين ضمن إمكانيات محدودة.

ويحذر الحفني من أن آلاف الجرحى الآخرين لا يزالون ينتظرون دورهم للعلاج، بسبب عدم توفر مراكز تأهيل قادرة على استيعاب الأعداد المتزايدة.

ويشدد على الحاجة الملحة لتوفير مراكز تأهيل إضافية، ودعم عاجل وشامل للقطاع الصحي في غزة، قبل أن تتحول الإعاقات المؤقتة إلى دائمة، ويترك الجرحى لمصير قاسٍ لا يليق بإنسانيتهم.

وتجدر الإشارة إلى أن إغلاق المعابر ومنع سفر فاقم معاناة نحو 20 ألف جريح للعلاج في الخارج من حجم الكارثة، ما زاد الضغط بشكل هائل على مركز تأهيل الهلال الأحمر.

وإلى جانب النزيف الصحي، يواجه الجرحى معركة أخرى لا تقل قسوة، هي الجوع وسوء التغذية. حيث قال المكتب الإعلامي الحكومي في غزة إن إسرائيل تحرم المدنيين من أكثر من 350 صنفا من المواد الغذائية الأساسية، التي يحتاجها الأطفال والمرضى والجرحى والفئات الضعيفة.

وأوضح المكتب أن الاحتلال يواصل التلكؤ في إدخال شاحنات المساعدات، ويتحمل المسؤولية الكاملة عن تدهور أوضاع أكثر من 2.4 مليون مواطن في غزة.

ورغم توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار فإن حرب الإبادة الجماعية التي بدأتها إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 بدعم أمريكي مطلق لا تزال مستمرة، وقد خلفت حتى الآن قرابة 70 ألف شهيد فلسطيني، وما يزيد على 170 ألف جريح.

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير