لم تكن مريم إبراهيم تعرف أن صباح الجمعة سيكون آخر صباح تمشط فيه شعرها الطويل وتربطه بضفيرةٍ واثقة قبل أن تخرج للّعب. كانت طفلةً عادية، تحمل ضحكتها الصغيرة وتلتحق بصديقاتها في الحي، قبل أن يغيّر صاروخٌ واحد شكل حياتها إلى الأبد.
تتذكر مريم تلك اللحظة وتبكي. تقول بصوتٍ مكسور: “كان شعري طويل… كنت جميلة… الآن جمجمتي منتفخة، لا أستطيع اللعب، الأطفال ينظرون لي بشكل مختلف.”
شظية صاروخ أصابت جمجمتها، فتهشم العظم وتعرض دماغها لخطرٍ مباشر. منذ ذلك اليوم، لم تعد مريم إلى بيتها، بل انتقلت بين غرف العمليات، وأقسام العناية المركزة، وممرات الانتظار الطويلة التي لا تعرف معنى الطفولة.
في محاولة لإنقاذ حياتها، خضعت مريم لعملية جراحية معقدة لزراعة عظم الجمجمة في المستشفى الاستشاري بالأردن. لكن العملية فشلت جزئيًا، وخلّفت مضاعفات خطيرة: ثقب في الجمجمة، تهتك في العظم، وتجمع للسوائل تسبب بتورمٍ كبير في الرأس، جعل وضعها الصحي بالغ الخطورة.
الأطباء واضحون: حالة مريم حرجة جدًا، وتحتاج إلى تدخل جراحي عاجل وكبير لا يحتمل أي تأخير.
التقارير الطبية تشير إلى أن الوقت المتبقي لإنقاذ حياتها قصير، وكل ساعة تمرّ تزيد من احتمالات الخطر.
في غرفة المستشفى، ترقد مريم بصمتٍ ثقيل. رأسها ملفوف بحذر، وأي اقتراب من موضع الإصابة قد يسبب مضاعفات جديدة. أمها تجلس بجانبها، تبكي بصمت، لا تستطيع احتضان طفلتها كما تفعل كل الأمهات، ولا تستطيع مسح شعرها أو تقبيل رأسها لتخفيف الألم. حتى الحنان أصبح خطرًا.
مريم لا تحارب المرض فقط، بل تحارب نظرات الخوف، والعجز، والوحدة. تحارب شعورًا قاسيًا بأنها مختلفة عن الأطفال الآخرين، وبأن اللعب أصبح ذكرى بعيدة. تحارب الألم الجسدي، والجرح النفسي، وانتظارًا ثقيلًا لا تعرف نهايته.
اليوم، تقف حياة مريم على حافة الوقت. علاجها ممكن، والجراحة المنقذة متوفرة، لكن التحويلة وإغلاق المعابر تقف عائقًا أمام إنقاذ طفلة لا ذنب لها سوى أنها كانت تلعب في المكان الخطأ، في الزمن الخطأ.
هذه ليست قصة رقم، ولا خبرًا عابرًا...هذه قصة طفلة اسمها مريم إبراهيم، تحلم فقط أن تعود طفلة: أن تلعب، أن تضحك، أن تمشط شعرها دون ألم، وأن لا تخاف أمها من احتضانها.