"أنا بخاف أفقد طفلتي بأي لحظة.. ممكن تنصاب بفشل كلوي، وأنا بتعذب كل يوم وأنا بشوفها"، بهذه الكلمات تختصر والدة الطفلة مريم النحال (4 سنوات ونصف) مأساة لا يعرفها إلا من يعيشها عن قرب.
مريم، تلك الطفلة ذات العينين البريئتين، تعاني منذ ولادتها من ضمور في الكلى ومثانة غير مكتملة، ما يؤدي إلى ارتجاع البول بشكل كبير على الكليتين ووجود حوضين كلويين، إضافة إلى تضخم الحوالب وفقدان الإحساس بالبول. حالة صحية نادرة ومعقدة، تحتاج لتدخل جراحي عاجل ودقيق غير متوفر في غزة المحاصرة.
الأطباء الذين يتابعون حالتها لا يخفون قلقهم الكبير، إذ يحذرون من أن تدهور وضعها قد يؤدي إلى فشل كلوي كامل في أي لحظة، وهو ما قد يهدد حياتها الصغيرة. ورغم المحاولات المستمرة لتوفير العلاج، تصطدم العائلة بواقع مأساوي: ضعف الإمكانيات الطبية داخل القطاع، والحصار الذي يغلق الأبواب أمام السفر للعلاج.
تجلس أم مريم بجوار سرير طفلتها، تمسك بيدها الصغيرة وتقول: "بعيش كل يوم بخوف.. بخاف أصحى وما ألاقيها.. بخاف اللحظة اللي ينادي فيها الدكتور ويقول: فات الأوان".
مأساة مريم ليست حالة فردية، بل تجسيد لمعاناة مئات المرضى في غزة الذين يحتاجون إلى تحويلات عاجلة إلى خارج القطاع، لكنهم يصطدمون بجدار الاحتلال وإغلاق المعابر ونقص التنسيق الطبي.
اليوم، تناشد أسرة مريم كل الجهات الإنسانية والطبية التدخل السريع لإنقاذ حياة طفلتهم قبل فوات الأوان، فحياتها رهينة ورقة تحويلة طبية وساعة انتظار طويلة قد لا تحتملها كليتاها المنهكتان.
بحسب وزارة الصحة في غزة، هناك أكثر من 12 ألف حالة مرضية وجراحية حرجة، من بينهم أطفال مصابون بأمراض نادرة وخطيرة، بحاجة إلى تحويل عاجل إلى مستشفيات خارجية. وتشير إحصائيات أخرى إلى أن العدد قد يصل إلى 25 ألف مريض وجريح يحتاجون للرعاية الطبية المتقدمة، لكن لا يتجاوز من ينجحون في السفر 19.5% فقط.
الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا، إذ يسجل القطاع الصحي وجود أكثر من 70 ألف طفل مهددين بأمراض سوء التغذية والأوبئة، نتيجة نقص الغذاء والدواء وغياب التطعيمات الأساسية. وفي المستشفيات، تتكدس ملفات الأطفال المصابين بالفشل الكلوي، أمراض القلب، والأورام السرطانية، بانتظار موعد قد لا يأتي.
وتفيد تقارير مستقلة بأن ما يقارب 30 ألف حالة مرضية ما زالت عالقة على قوائم الانتظار للحصول على تحويلة علاجية، في وقتٍ تتفاقم فيه معاناة مرضى السرطان تحديدًا، الذين لا يجدون الدواء الكيماوي داخل غزة ولا يُسمح لهم بالمغادرة بسهولة.
الأطباء يحذرون من أن كل يوم تأخير يعني فقدان حياة جديدة، فيما يروي الأهالي قصصًا موجعة عن أطفال ينتظرون ساعات طويلة أمام المستشفيات، بعيونٍ تتشبث بالأمل، وأجسادٍ تذبل ببطء.