تعيش الضفة الغربية واحدة من أخطر المراحل في تاريخها الحديث، في ظل تسارع غير مسبوق في وتيرة الاستيطان الإسرائيلي، واتساع رقعة السيطرة على الأراضي الفلسطينية، ضمن سياسة ممنهجة تهدف إلى فرض وقائع جغرافية وسياسية جديدة على الأرض.
هذا التصعيد لا يمكن فصله عن مشروع أوسع يستهدف تقويض أي إمكانية لقيام دولة فلسطينية متصلة جغرافيا وقابلة للحياة.
ولم يعد الاستيطان مجرد توسع عشوائي أو استغلال لحظات سياسية عابرة، بل تحول إلى مخطط استراتيجي متكامل تتداخل فيه الأبعاد الأمنية والسياسية والديموغرافية وتسنده منظومة تشريعية ومالية وعسكرية يقودها اليمين الإسرائيلي المتطرف.
والنتيجة المباشرة لذلك هي تفتيت الضفة الغربية إلى جزر معزولة ومقطوعة الأوصال ومحاطة بالمستوطنات والطرق الالتفافية والمعسكرات العسكرية.
القدس كهدف مركزي
وفي قلب هذا المشروع، تبرز القدس المحتلة كهدف مركزي، حيث تسعى سلطات الاحتلال إلى عزلها بالكامل عن محيطها الفلسطيني في الضفة، وتحويلها إلى مركز استيطاني ضخم ضمن ما يُعرف بمخطط "القدس الكبرى"، في خطوة تنذر بتداعيات خطيرة على مستقبل القضية الفلسطينية برمتها.
وشهدت الضفة تصعيدا غير مسبوق في النشاط الاستيطاني الإسرائيلي، حيث حظيت بؤرة "حيلتس" جنوب الضفة، إلى جانب مستوطنات الشمال والوسط، بدعم مباشر من جيش الاحتلال والحكومة الإسرائيلية.
هذا الدعم يعكس توجها رسميا لإنهاء أي حديث عن حل الدولتين أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.
وخلال ثلاث سنوات فقط، تمكنت حكومة الاحتلال من الاستيلاء على نحو مليون دونم من أراضي الفلسطينيين، وفق بيانات رسمية وغير رسمية، في واحدة من أكبر عمليات نهب الأراضي منذ احتلال عام 1967.
وتشير مصادر ميدانية إلى أن بؤرة "حيلتس" تشكّل حلقة وصل استيطانية خطيرة بين مجمع غوش عتصيون ومدينة القدس المحتلة، بما يساهم في إحكام الطوق على المدينة وفصلها عن امتدادها الطبيعي في الضفة.
ولا تقتصر هذه السياسة على منطقة بعينها، إذ استيقظ سكان بيت ساحور مؤخرا على مشهد صادم، بعدما أقام مستوطنون بيوتا استيطانية على قمة جبل "عشغراب"، وأطلقوا عليها اسم مستوطنة "شدماه"، في حين كان أصحاب الأراضي الفلسطينيون يخططون لبناء منازل لأبنائهم وأحفادهم.
تفتيت الضفة إلى كانتونات
وتسارعت وتيرة الاستيطان بشكل ملحوظ خلال ولاية وزير المالية المتطرف بتسلئيل سموتريتش، الذي أجرى تعديلات قانونية لتسهيل الاستيلاء على الأراضي وشرعنة البؤر الاستيطانية.
ووفق بيانات هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أقيمت 40 مستوطنة جنوب الضفة، إلى جانب 107 بؤر استيطانية جديدة، ضمن مخطط يهدف إلى ربط "غوش عتصيون" بالقدس المحتلة.
كما صادقت الحكومة الإسرائيلية على بناء 3401 وحدة استيطانية جديدة لتشكيل جسر جغرافي يربط القدس بمستوطنة "معاليه أدوميم" وسط الضفة، في حين خُطط لبناء 3600 وحدة في مستوطنة "مشمار يهواد" لربطها بمستوطنات الجنوب.
وفي وسط الضفة، أُقيمت 77 مستوطنة، وأُضيفت آلاف الوحدات الاستيطانية، مع مصادرة 257 دونما لتوسيع طريق 60، الذي يربط مستوطنة "غيفع بنيامين" بشمال الضفة.
هذا الواقع يخلق شبكة من الطرق والمستوطنات التي تقطع أوصال المدن والقرى الفلسطينية، وتحولها إلى مناطق معزولة تخضع للحواجز العسكرية وتمنع من التواصل الجغرافي والاقتصادي والاجتماعي فيما بينها.
ويحذر خبراء ومراقبون من أن الهدف النهائي لهذه السياسات هو عزل القدس بالكامل عن محيطها الفلسطيني.
ويؤكد مدير عام النشر والتوثيق في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أمير داود، أن حكومة الاحتلال تعمل على فصل جنوب الضفة عن شمالها، تمهيدا لإقامة "القدس الكبرى"، عبر ربط المستوطنات ببعضها وفصل التجمعات الفلسطينية.
ووفق تحقيق لهيئة البث الإسرائيلية، استولى المستوطنون على مليون دونم منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الحالية، وأقاموا 140 بؤرة استيطانية، جرى شرعنة 69 منها رسميا، بدعم مباشر من الجيش الذي سهّل إقامة بؤر رعوية جديدة.
ويعد عزل القدس ضربة قاصمة للمشروع الوطني الفلسطيني، إذ يفصل المدينة عن عمقها السياسي والديموغرافي، ويقوض مكانتها كعاصمة مستقبلية للدولة الفلسطينية، ويُفرغ أي مفاوضات سياسية من مضمونها.
وسياسيا، تهدف هذه المخططات إلى فرض حل أحادي الجانب يقوم على السيطرة على نحو 82% من أراضي الضفة الغربية، مع ترك الفلسطينيين في تجمعات سكانية محاصرة، تفتقر إلى السيادة والموارد.
أما أمنيا، فتسوّق إسرائيل هذه الإجراءات باعتبارها "ضرورات أمنية"، في حين تستخدم فعليا لتكريس الاحتلال وإدامته.
وفي هذا السياق، يحذر مراقبون من محاولات متعمدة لتخدير وإلهاء المواطنين في الضفة الغربية بقضايا معيشية أو إدارية، بهدف صرف الأنظار عن القضية المركزية، المتمثلة في مصادرة الأرض وتفكيك الجغرافيا الفلسطينية.