الأسيرة الفلسطينية 2025.. الاغتصاب لم يحرك ساكنًا

الرسالة نت

 


منذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة في أكتوبر/تشرين الأول 2023، دخلت الأسيرات الفلسطينيات مرحلة هي الأقسى والأكثر عنفًا في تاريخ الاعتقال السياسي. 

فالسجون الإسرائيلية لم تعد مجرد أماكن احتجاز، بل تحولت – بحسب منظمات حقوقية وتقارير طبية وقانونية – إلى بيئة مركّبة لممارسة العنف القائم على التعذيب الجسدي والتحطيم النفسي والانتهاكات الجنسية المنظمة، في سياق يُعدّ وفق القانون الدولي جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.

الأكثر رعبا؛ ما نشرته المنظمات الحقوقية من شهادات صادمة عن تعرض أسيرات لتفتيش عار تماما أمام جنود الاحتلال؛ واحدة منهم تعرضت للاغتصاب 4 مرات في ظل تصوير كاميرات الجيش ؛ الذي هددّها بنشر صورها.

الشهادة التي جاءت لأسيرة من غزة اعتُقلت على حاجز شمال القطاع عام 2024، وتعرضت – خلال ثلاثة أيام فقط – إلى أربعة اعتداءات جنسية كاملة على يد جنود الاحتلال، إضافة إلى التصوير والتهديد بنشر الصور. وقالت إنها كانت تتمنى الموت لإنهاء ما تتعرض له.

تصف مؤسسات حقوق الإنسان واقع السجون اليوم بأنه “نظام عقابي متعدد المستويات”، يعتمد على الإخضاع والإيذاء المتعمد، ويستهدف النساء بشكل مضاعف نظرًا لطبيعتهن الاجتماعية ومكانتهن داخل بنية المجتمع الفلسطيني. وتؤكد أن الأسيرات من غزة تحديدًا تعرضن لأسوأ أشكال الاعتداء منذ لحظة الاعتقال وحتى داخل مراكز التحقيق والحجز العسكري.

أول الشهادات الصادمة جاءت من أسيرات احتُجزن في معسكر سدي تيمان، الذي تحول إلى ثكنة مغلقة تتجمع فيها أخطر الانتهاكات المنهجية. فقد تحدثت أسيرات عن التعرية القسرية الكاملة لساعات طويلة أمام جنود ذكور، وهو فعل يصنّفه القانون الدولي كتعذيب جنسي مباشر،

ويهدف إلى كسر الإرادة والإذلال النفسي.
الملفات الحقوقية أظهرت أيضًا أن الأسيرات تعرضن لعمليات تفتيش عارٍ متكرر ترافق مع لمس للأجزاء الحساسة والضرب والتهديد المباشر بالاغتصاب، إضافة إلى وجود كاميرات داخل أماكن الاستحمام والحمامات، وهو انتهاك يدخل ضمن “المراقبة الجنسية القسرية”.

وتكشف شهادات موثقة لدى مؤسسة الضمير عن قيام جنود الاحتلال بتصوير الأسيرات وهنّ عاريات وإجبار بعضهن على الوقوف في أوضاع مهينة أثناء التحقيق، في محاولة لاستخدام هذه الصور كورقة ابتزاز أو تهديد لكسر المقاومة النفسية للمعتقلات.

تظهر الشهادات أن الاعتداءات الجنسية لم تكن مجرد حالات فردية، بل نُفّذت بطريقة منظمة ومتكررة في أكثر من سجن ومعسكر، وبمشاركة عدة جنود، ما يؤكد أن طبيعتها “ممنهجة” وليست تصرفات شخصية. وهذا يتوافق مع المعايير القانونية لتعريف جرائم الحرب وفق المادة 7 من نظام روما.

عدّة أسيرات ذكرن أنهن تعرضن لـ الصعق بالكهرباء في المناطق الحساسة، وأخريات تحدثن عن إجبارهن على البقاء عاريات داخل غرف باردة لأوقات طويلة، وهي ممارسات تصنف كتعذيب جسدي ونفسي متعمد يؤدي إلى انهيار كامل للضحية.

كما كشف محامون زاروا سجن الدامون عن احتجاز أسيرات في زنازين بلا نوافذ، يُمنعن فيها من النوم ويُحرمن من الفوط الصحية، ويُجبرن على استخدام قطع قماش متسخة، ما أدى لانتشار التهابات حادة لدى عدد منهن.

بعض الأسيرات وصفن احتجازهن في أماكن مكتظّة تفتقر للتهوية، مع حرمان متعمّد من الاستحمام لأسابيع، وفرض عقوبات قاسية تشمل ضربًا يوميًا وإهانة لفظية ذات طابع جنسي، مما يجعل التعذيب النفسي أحد أدوات الاحتلال الأساسية.

ووفق شهادات حقوقية، تعمد سلطات الاحتلال إلى عزل الأسيرات من غزة بالكامل عن العالم الخارجي، فلا زيارات ولا اتصالات، ولا يسمح للمحامين برؤيتهن في العديد من الفترات، ما يضاعف احتمالات التعتيم على الانتهاكات.

أسيرات أخريات تحدثن عن تعرّضهن لتهديدات بإحضار أفراد من أسرهن – زوج أو والد أو شقيق – واغتصابهم أمامهن إذا لم يعترفن بما يريده المحققون، وهي ممارسة تدخل ضمن “التعذيب المعنوي الجنسي”.

وتشير وثائق منظمات دولية إلى أن عمليات الضرب خلال التحقيق تشمل استهداف البطن والصدر والوجه، وهي مناطق يرتبط إيذاؤها عند النساء بآثار صحية طويلة الأمد، خصوصًا على الصحة الإنجابية.

إضافة إلى ذلك، تعاني الأسيرات من حرمان مطلق من العلاج الطبي، خصوصًا المصابات بأمراض مزمنة أو إصابات تعرضن لها لحظة الاعتقال. وتعد حالات الإغماء المتكرر نتيجة الجفاف أو النزيف جزءًا من هذا الإهمال المتعمد.

عدد من الأسيرات ذكرن أنهن شاهدن أخريات يُنقلن إلى غرف لا يعدن منها، أو يرجعن بعد أيام في وضع صحي منهار، ما يؤكد وجود عمليات تعذيب قاسية وخفية داخل أقسام مغلقة تمامًا.

بعض الشهادات أشارت كذلك إلى استخدام الكلاب العسكرية داخل أماكن الاحتجاز لتهديد الأسيرات وترويعهن، وهو نمط سبق وثقته منظمات دولية بحق معتقلين ذكور، ويعد شكلاً من أشكال “التعذيب الحيواني”.

كما سُجلت حالات إجبار للأسيرات على مشاهدة اعتداءات جنسية على معتقلين آخرين، في أسلوب يهدف إلى كسرهن نفسيًا عبر الرعب المباشر.

التقارير الحقوقية تؤكد أن سلطات الاحتلال تستخدم ما يسمى “العزل الانفرادي المعزّز”، حيث تُحتجز الأسيرة في غرفة ضيقة بلا ضوء طبيعي، وتُحرم من الكلام أو الحركة، ما يؤدي إلى اضطرابات نفسية خطيرة كالهلوسة والانهيار العصبي.

ومن أبشع الأساليب التي وثّقت حديثًا: إجبار الأسيرة على توقيع إفادات ملفقة بعد ساعات من الاعتداء الجنسي والتعذيب، مستغلة حالة الانهيار الجسدي والنفسي التي تصل إليها.

من الناحية القانونية، هذه الممارسات – بكل تفاصيلها – تدخل في نطاق الاغتصاب والتعذيب والعنف الجنسي المجرَّم بموجب اتفاقية جنيف الرابعة واتفاقية مناهضة التعذيب ونظام روما الأساسي، ما يجعل قادة الاحتلال وجنوده عرضة للمساءلة الجنائية الدولية.

ويجمع الحقوقيون على أن ما تتعرض له الأسيرات ليس مجرد “انتهاكات” بل سياسة دولة كاملة تستخدم الجسد الأنثوي كساحة حرب، بهدف إحداث أكبر قدر من الإذلال، وتدمير النسيج الاجتماعي الفلسطيني عبر الاعتداء على أكثر الشرائح حساسية وتأثيرًا.

شهادة صادمة

أكدت الكاتبة والأسيرة المحررة الكاتبة الفلسطينية لمى خاطر، أنّ ما يرصد من شهادات الاعتداء والاغتصاب والضرب للأسيرات؛ هي جزء من حرب غير مسبوقة يمارسها الاحتلال "الإسرائيلي" على الأسيرات الفلسطينيات، وبشكل خاص الأسيرات من قطاع غزة.

وقالت المحررة خاطر لـ"الرسالة نت"، إن وضع الأسيرات تغير للأسوأ بعد الحرب على غزة، من تنكيل واعتداءات ومساس خطير بخصوصياتهن، مبينة أن الانتهاكات الإسرائيلية بحقهن شهدت تصعيدا غير مسبوق، وأن التطور الأخطر هو الاعتداء بالضرب المبرح عليهن.

والمحررة خاطر (48 عاما) أسيرة سابقة عدة مرات، وكان اعتقالها الأخير في 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وأفرج عنها في 30 نوفمبر/تشرين الثاني ضمن الدفعة السادسة من اتفاقية التهدئة وتبادل الأسرى بين حركة "حماس" والاحتلال الإسرائيلي.

وأشارت خاطر إلى إن التضييق على الأسيرات بدأ منذ وصول وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير لسدة الحكم وتوليه مسؤولية مصلحة السجون، ومعها بدأ تهديده بالتضييق على الأسرى والأسيرات، وتعهده بأن "تصبح السجون جحيما".

وأضافت أن بن غفير وجد في الحرب فرصة لتنفيذ مخططاته، فمسّ بشكل خطير خصوصية المرأة الأسيرة، وتعمد المساس بها.

وتحدثت خاطر عن أبرز الاعتداءات والانتهاكات التي تعرضت لها الأسيرات، كالتفتيش العاري، والتهديد بالاغتصاب، وغيرها من الإجراءات التي تتعمد المساس بخصوصية المرأة، وتعمد إذلالها واهانتها بشتمها أمام أطفالها وأهلها.

وأوضحت أن سلطات الاحتلال عزلت بشكل كامل الأسيرات في سجن "الدامون"، وأبقتهن حبيسات داخل الغرف على مدار الساعة، وسمحت لهن بالخروج نصف ساعة فقط كل يومين بغرض الاستحمام، لكن تبقي الأسيرات في حالة عزلة كاملة.

وبينت خاطر أن الأسيرة منقطعة تماما عن أخبار الخارج، ولا تعرف شيئا عما يجري في الخارج إلا بإحدى طريقتين؛ أولهما وصول أسيرة جديدة، وثانيهما الانتقال للمحكمة، فيسمح لها بنصف ساعة للحديث مع محاميها عبر برنامج "زوم".

كما صادرت سلطات الاحتلال الأجهزة والأغراض التي تستخدمها الأسيرات من السجون، بغرض التنغيص عليهن، كما تتعمد إحداث تضييق كبير على الأسيرات، خاصة الأمهات منهن، في ظل انقطاعهن عن أخبار أبنائهن.

وأشارت إلى أسيرة من نابلس، تعرضت للضرب المبرح ما أدّى لحدوث نزيف لها وتسمم في الرحم، و"لولا خروجها في الصفقة لربما توفيت، نتيجة لتدهور حالتها الصحية".
كما تعاني غرف الأسيرات من اكتظاظ كبير بسبب العدد الكبير من الأسيرات القابعات في الغرفة الواحدة، بالترافق مع نقص حاد لأبسط مقومات الحياة الأساسية، ومصادرة جميع الكتب والمصاحف وتمزيقها.

وتضيف خاطر: "منعوا الأسيرات من الكانتينا، في الوقت الذي تقدم إدارة السجون أصناف سيئة جدا من الطعام، مع وقفها لأرصدة الأسرى في البنوك".

أسيرات غزة

ووصفت خاطر واقع أسيرات قطاع غزة، بالأخطر والأفظع، وقالت: "يتعرضن للضرب والتحقيق والتفتيش منذ اللحظة الأولى لاعتقالهن، ويتركن لفترة طويلة في العراء دون أي غطاء، ويتم نزع حجابهن".
وأضافت: "أكبر ما يضيق في صدر الأسيرة من غزة إجبارها على نزع الغطاء عن شعرها، وتعرضها للتفتيش العاري على أيدي المجندات".

وذكرت أن عمليات الاعتقال للنساء تتم بشكل عشوائي، وأغلبهن أمهات، موضحة أن الهدف تنغيص الحياة على نساء غزة والتسبب في إيذاء عوائلهن.

كما تترك طريقة الاعتقال أثرها على معاصم الأسيرات نتيجة القيود البلاستيكية، مشيرة إلى أن آثار تلك القيود لا تزال واضحة لهذه اللحظة.

وأضافت: "يتم وضعها ترك الأسيرات لفترة طويلة مقيدات اليدين، والاعتداء عليهن بالضرب المبرح الذي يؤدي الى تدهور صحتهن"، مشيرة إلى أن إحدى الأسيرات مكثت لأيام في غيبوبة بالسجن نتيجة لهذا التعدي.
وأكدّت أن الأخطر في قضية أسرى غزة بشكل عام هو عمليات القتل لعدد منهم دون معرفة اسمائهم، وفقا لما نشرته وكشفت عنه وسائل الإعلام العبرية.
وقالت إنّ بعض الاسيرات يتم اعتقالهن مع أزواجهن وأطفالهن، ولا يعرفن شيئا عن مصيرهم، ما يضعهن في حالة خوف وقلق كبيرة.

قمعان
وتحدثت خاطر عن عمليتي قمع نفذتهما سلطات الاحتلال ضد الأسيرات؛ الأولى كانت في السابع من أكتوبر، والثانية في التاسع عشر من أكتوبر، إذ تم قمع الأسيرات بطريقة وحشية في سجن "الدامون"، وتخلل ذلك رشهن بخراطيم الغاز، وضربهن بصورة وحشية غير مسبوقة.

وقالت إن سلطات السجون كانت تتحاشى سابقا الاعتداء على الأسيرات، خشية من رد فعل الأسرى؛ "لكنهم تجرؤوا بقوة في طريقة تشبه الاستفراد بهن"، وتسبب ذلك في حدوث حروق لدى الأسيرات.
وأضافت: تجرؤ جنود الاحتلال بضرب الأسيرات هو التطور الأخطر في هذه المرحلة".

كما يتعمد الاحتلال فرض إجراءات عقابية فورية ضد أي أسيرة يصدر عنها أي احتجاج على أي شيء، "لو احتجت على صنف الطعام تُعزل فورا عزلا خارجيا لأيام، أو تحرم من الاستحمام لأيام".

ورغم كل ذلك، تقول خاطر: "هذا كله لا ينفي أن الأسيرات لديهن عزيمة كبيرة في مواجهة هذه الإجراءات، وجميعنا نقول إن هذه الحرب المسعورة التي تشنها سلطات الاحتلال ضد غزة تجعل من تضحيات الأسيرات متواضعة أمام تضحيات شعبنا هناك، وتدفعنا دائما للصبر والاحتساب".

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من تقارير