لم تترك حرب الإبادة التي تعرّض لها قطاع غزة دمارًا ماديًا واسع النطاق فحسب، بل خلّفت وراءها جرحًا نفسيًا عميقًا ومستمرًا في نفوس الأطفال، الذين باتوا يعيشون في حالة استنفار دائم، محرومين من أبسط مقومات الطمأنينة.
فحتى في فترات الهدوء النسبي، يظل الخوف حاضرًا، وتبقى أصوات القصف والذكريات الصادمة عالقة في الذاكرة، مانعة الأطفال من استعادة الإحساس الطبيعي بالأمان أو العودة إلى سلوكهم اليومي المعتاد.
وتكشف الإحصائيات حجم الكارثة النفسية التي يعيشها الأطفال، إذ تشير التقديرات إلى أن نحو 1.1 مليون طفل في قطاع غزة بحاجة ماسة إلى خدمات الدعم النفسي والصحة النفسية، فيما يعاني أكثر من 80% منهم من ضائقات نفسية حادة نتيجة الحرب المستمرة.
كما تظهر تقارير أممية أن 96% من الأطفال يشعرون بأن الموت بات قريبًا منهم، في حين تبدو علامات الضغط النفسي الشديد، مثل القلق المزمن، الكوابيس، واضطرابات السلوك، واضحة على أكثر من 90% من الأطفال.
وتستند هذه الأرقام إلى تقارير ودراسات ميدانية صادرة عن مؤسسات دولية وأممية، من بينها منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف)، ومنظمة الصحة العالمية، ومكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للأمم المتحدة (OCHA)، إضافة إلى تقييمات صادرة عن وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) ومؤسسات محلية عاملة في مجال الصحة النفسية. وتشير هذه التقارير، التي أُعدّ معظمها خلال عام 2024 في ظل استمرار الحرب، إلى اتساع رقعة الاضطرابات النفسية بين الأطفال في غزة، وارتفاع أعداد المحتاجين إلى تدخلات نفسية عاجلة، في ظل محدودية الخدمات وصعوبة الوصول إليها بسبب الظروف الأمنية والإنسانية المعقدة.
ورغم هذه الأرقام الصادمة، لم يتلقَّ الدعم النفسي سوى جزء محدود من الأطفال، ما ينذر بتداعيات نفسية طويلة الأمد قد تمتد آثارها لسنوات، وربما لعقود، إذا لم يتم التدخل بشكل جاد ومنهجي.
ولا تقتصر آثار الحرب على ما هو ظاهر من أعراض، إذ تكشف نتائج ميدانية أن نسبة كبيرة من الأطفال تتجنب الحديث عن الأحداث الصادمة التي مرّت بها، بينما يظهر لدى آخرين إنكار أو صعوبة في تقبّل الواقع، في محاولة نفسية غير واعية للهروب من الألم أو التكيّف القسري مع واقع يفوق قدرتهم على الاحتمال.
وتعود هذه المعطيات إلى تقرير تقييم الاحتياجات النفسية للأطفال في غزة، وهو مسح ميداني غير أكاديمي أُجري خلال عام 2024 في ظل استمرار الحرب، ويعكس صورة قاسية لما يعيشه الأطفال بعيدًا عن الأضواء.
صدمة جمعية
وتروي إحدى الأمهات تجربتها مع الصدمة التي لاحقت أسرتها حتى بعد مغادرتها قطاع غزة، مؤكدة أن طفلها لم يشهد فقدان أحد من أقاربه، إلا أن الحرب تركت أثرها العميق فيه. فبعد أشهر من القصف والخوف والنزوح، بدأت تظهر عليه علامات انطواء شديد وعزلة، قبل أن تتطور حالته إلى تهيؤات وخيالات غير واقعية.
وعند عرضه على طبيب مختص، شُخّصت حالته باضطراب ذهاني ناتج عن صدمة نفسية، حيث أوضح الطبيب أن التجربة بحد ذاتها، بما تحمله من خوف دائم، وقصف، وجوع، وتنقّل قسري، كفيلة بإحداث اضطرابات نفسية عميقة حتى دون فقد مباشر. ولا يزال الطفل يتلقى علاجًا دوائيًا منذ عام كامل، مع تأكيد طبيبه على ضرورة الاستمرار لفترة أطول لتجنب تحوّل الحالة إلى مرض نفسي مزمن.
ويؤكد المختص في الصحة النفسية في غزة، سعيد الكحلوت، أن ما يعيشه القطاع لا يمكن تصنيفه ضمن الضغوط العابرة أو الصدمات الفردية، بل هو صدمة جمعية ممتدة يعيشها المجتمع منذ شهور طويلة دون أي فواصل أمان حقيقية. ويوضح أن التعرض المستمر للخوف، الفقد، النزوح المتكرر، ومشاهدة الدمار والموت، إلى جانب انهيار الإحساس بالمستقبل، خلق حالة من الاستنزاف النفسي الحاد، يعيش فيها الناس ما يمكن وصفه بـ«البقاء النفسي»، أي محاولة الاستمرار دون قدرة فعلية على التعافي أو الاستقرار.
ويشير الكحلوت إلى أن الأطفال هم الفئة الأكثر هشاشة وتأثرًا، نظرًا لأن جهازهم النفسي ما يزال في طور التكوين، ما يجعلهم أكثر عرضة للاضطرابات النفسية.
ووفق ملاحظاته الميدانية، تُسجَّل نسب مرتفعة جدًا من اضطرابات ما بعد الصدمة، القلق الحاد، الاكتئاب الطفولي، واضطرابات النوم، إلى جانب مظاهر مثل التبول اللاإرادي، التعلّق المرضي بالأهل، وحالات الشرود والانفصال العاطفي.
ويشدد الكحلوت في حواره مع الرسالة نت على أن أخطر ما فقده الأطفال هو الإحساس الأساسي بالأمان، الذي يُعد حجر الأساس لأي نمو نفسي سليم.
ولا ينفصل التدهور النفسي عن التدهور الجسدي، بحسب الكحلوت، إذ يوضح أن العلاقة بين الصحة النفسية والأمراض المزمنة مثبتة علميًا، حيث يؤدي الضغط النفسي المزمن إلى ارتفاع هرمونات التوتر، ما يضعف جهاز المناعة ويؤثر سلبًا على السيطرة على الأمراض المزمنة. وفي غزة، يُلاحظ تدهور ملحوظ في حالات مرضى السكري، الضغط، وأمراض المناعة الذاتية، ليس فقط بسبب نقص العلاج، بل أيضًا نتيجة العبء النفسي الهائل.
نوبات مرعبة
وفي شهادة أخرى، تتحدث أم لفتاة تبلغ من العمر 18 عامًا عن تطور أعراض عصبية مفاجئة لدى ابنتها بعد الحرب، بدأت بخدران وسقوط مفاجئ، قبل أن يتبين أنها تعاني من نوبات صرع.
وبحسب الطبيب المعالج، فإن الأصوات المرتفعة والمتكررة للقصف قد تكون سببًا مباشرًا في هذه النوبات، وهو ما يعكس الأثر العميق للحرب على الجهاز العصبي.
ويرى الدكتور نمر دلول، المختص بالأمراض المزمنة وأمراض المناعة، استنادًا إلى خبرته الميدانية وتعاملِه مع عشرات الحالات، أن العلاقة بين الحالة النفسية والصرع علاقة مباشرة وواضحة، حتى وإن لم تُفرد لها الدراسات العلمية حيّزًا كافيًا في بعض الأحيان.
ويشير دلول إلى تسجيل عشرات الحالات، من بينهم أطفال، تعرضوا لنوبات صرع مؤقتة أو ممتدة خلال الحرب، بعضها استمر لأشهر، وأخرى يمكن أن تمتد لسنوات، نتيجة التعرّض المستمر لحالات الهلع والخوف والتوتر والعصبية، مؤكدًا أن الصدمة النفسية قد تتحول في بعض الحالات إلى مرض جسدي مزمن.
كما يؤكد دلول أن التأثير النفسي لا يقتصر على مرضى الصرع، بل يمتد إلى أصحاب الأمراض المناعية المزمنة، مثل الذئبة الحمراء، التهاب المفاصل الروماتويدي، والتصلب اللويحي.
ويوضح أن الحالة النفسية، وإن لم تكن السبب المباشر الأول لظهور هذه الأمراض، إلا أنها تؤدي إلى تفاقم حدتها، وزيادة عدد النوبات، وارتفاع مستوى خطورتها، ما يضاعف معاناة المرضى في ظل الظروف الصحية والإنسانية القاسية التي فرضتها الحرب.
قبل نفاد الوقت
وفي مقابلة معها، توضح الطبيبة النفسية أريج حطّاب، المختصة في برنامج غزة للصحة النفسية، أن آثار الحرب تختلف باختلاف أعمار الأطفال، لكنها تتشابه في جوهرها، إذ تتحول الصدمة إلى سلوك يومي حين يعجز الطفل عن التعبير بالكلام.
وتعرض نماذج من حالات تعاملت معها، من طفل في الثالثة عانى قلقًا انفصاليًا وتراجعًا نمائيًا، إلى طفلة في التاسعة شُخّصت باضطراب ما بعد الصدمة، وصولًا إلى مراهق عانى اكتئابًا شديدًا مع أفكار انتحارية.
وتؤكد حطّاب أن التدخل النفسي المبكر يصنع فارقًا حاسمًا في مسار التعافي.
ويحذّر المختصة من أن تجاهل الاضطرابات النفسية لدى الأطفال بعد الحرب ينطوي على مخاطر جسيمة، إذ قد تتحول الصدمة غير المعالجة إلى اضطرابات مزمنة في الشخصية، صعوبات تعلم، اكتئاب طويل الأمد، أو سلوكيات خطرة في مراحل لاحقة، مشددة على ضرورة معالجة المشكلة قبل نفاد الوقت.
وبيّنت أن الخوف في الطفولة المبكرة قد يصبح حالة دائمة تتجلى في البكاء المستمر، والتشبث، واضطرابات النوم، وعودة التبول اللاإرادي، في مؤشر واضح على فقدان الإحساس بالأمان.
وفي الطفولة المتأخرة، تبقى الذكريات الصادمة حاضرة من خلال الكوابيس والخوف المتزايد من الأصوات، وقد تتحول المدرسة إلى مكان مهدِّد يدفع الطفل إلى الانسحاب الاجتماعي والتراجع الدراسي. أما في مرحلة المراهقة، فترى حطّاب أن غياب الدعم النفسي يترك آثارًا أكثر خطورة، إذ قد يتعمق الحزن وتقترب الأفكار المرتبطة بالموت مع احتمالات متزايدة لإيذاء النفس، مؤكدة في ختام حديثها أن التدخل النفسي المبكر «ليس خيارًا ثانويًا، بل ضرورة إنسانية تحمي الأطفال من تحوّل الصدمة المؤقتة إلى جرح نفسي دائم يرافقهم لسنوات».
ويبقى سؤال واحد يدور في ذهن كل أمٍ وأبٍ في غزة: هل يمكن لطفلٍ نشأ على صوت القصف، ونام على الخوف، أن يبني مستقبله بذاكرةٍ مثقوبةٍ بالصدمة؟
وإذا كانت الحرب تقتل الأجساد فورًا، فكم من الوقت تحتاج لتقتل الطفولة بصمت، أمام عالمٍ يرى الأرقام… ويتجاهل الألم؟