قال محمد مصلح، رئيس بلدية المغازي وعضو اتحاد بلديات قطاع غزة، إن أزمة المياه في قطاع غزة سابقة للحرب لكنها تفاقمت بصورة كارثية خلالها، موضحًا أن نحو 97% من مياه قطاع غزة كانت غير صالحة للشرب حتى قبل العدوان، ليس بالضرورة بسبب التلوث الجرثومي المباشر، وإنما نتيجة الارتفاع الخطير في مؤشرات الأملاح والنترات، وهي المؤشرات الأساسية المعتمدة للحكم على صلاحية المياه للشرب.
وأوضح مصلح أن المعايير الدولية توصي بألا تتجاوز نسبة الأملاح في مياه الشرب 1000 ملغم/لتر، وألا تزيد نسبة النترات عن 50 ملغم/لتر، إلا أن الواقع في قطاع غزة كان مختلفًا تمامًا، إذ تجاوزت ملوحة المياه في بعض المناطق 10 آلاف ملغم/لتر، كما ارتفعت نسب النترات إلى خمسة أضعاف الحد المسموح به أو أكثر، ما جعل المياه تشكّل خطرًا حقيقيًا على صحة الإنسان، خاصة الأطفال والحوامل.
خزان يعاني
وأشار إلى أن الخزان الجوفي في غزة كان يعاني أصلًا من استنزاف مزمن، حيث يتم سحب ما يقارب 200 مليون متر مكعب سنويًا، في حين لا تتجاوز كمية المياه التي تُغذّي الخزان طبيعيًا من مياه الأمطار 60 مليون متر مكعب فقط، لافتال إلى أن ذلك يعني وجود عجز سنوي دائم يُقدّر بنحو 150 مليون متر مكعب. هذا الخلل أدى إلى انخفاض منسوب المياه الجوفية إلى ما دون مستوى سطح البحر في بعض المناطق، لا سيما المناطق القريبة من الساحل، الأمر الذي تسبب في تداخل مياه البحر المالحة وارتفاع ملوحة الخزان الجوفي بشكل متسارع.
وحول تأثير الحرب، أكد مصلح أن العدوان الإسرائيلي ألحق دمارًا واسعًا بمنظومة المياه، حيث دُمّر ما بين 80% و85% من مرافق المياه والصرف الصحي، بما يشمل الآبار ومحطات التحلية والشبكات الناقلة وخطوط التوزيع التابعة للبلديات.
وبيّن أن عدد الآبار التابعة للبلديات في قطاع غزة كان يتراوح بين 245 و260 بئرًا، تعرّض منها نحو 164 بئرًا للتدمير الكلي أو الجزئي، ما أدى إلى تراجع قدرة البلديات على توفير المياه إلى حدود 20% فقط في بعض المناطق.
وأضاف أن البلديات كانت تضخ قبل الحرب قرابة 255 ألف متر مكعب من المياه يوميًا عبر الشبكات، إلا أن هذه الكمية تراجعت خلال الحرب إلى نحو 21 ألف متر مكعب فقط، نتيجة تدمير الآبار والشبكات.
ووفق مصلح فإن الظروف أدت لانخفاض حصة الفرد في بعض المناطق إلى 3 لترات يوميًا، وهي نسبة شديدة الخطورة، مقارنة بالمعايير الإنسانية الدولية التي تنص على ضرورة توفير 15 لترًا على الأقل للفرد يوميًا في حالات الطوارئ والحروب، الأمر الذي انعكس مباشرة على النظافة الشخصية والعامة، وانتشار الأمراض، وتدهور الوضع الصحي.
واقع مأساوي
وأشار إلى أن الاحتلال الإسرائيلي تعمّد قطع وتقليص خطوط المياه القادمة من (إسرائيل) والمعروف بماكروت ، خاصة الخط المغذي للمنطقة الوسطى، حيث جرى قطعه بالكامل لفترات طويلة قاربت عامًا كاملًا، ثم أُعيد تشغيله لاحقًا بشكل جزئي ومتقطع.
وبيّن أن هذه الخطوط، التي يفترض أن تدعم الشبكات المحلية، لم تكن تضخ سوى كميات محدودة جدًا، ما جعل أثرها شبه معدوم في ظل الأزمة.
وقال مصلح إن أزمة المياه تفاقمت بسبب شلل البلديات الناتج عن انقطاع الكهرباء ونقص الوقود وارتفاع أسعاره بشكل غير مسبوق، موضحًا أن تشغيل الآبار يتطلب مصدر طاقة دائم، سواء كهرباء أو مولدات تعمل بالوقود، في حين لم تكن جميع الآبار مزودة بمولدات، كما أن العديد من البلديات لم تتمكن من تشغيل المولدات المتوفرة بسبب تكلفة الوقود المرتفعة ونقص قطع الغيار.
وأضاف أن الحرب فرضت واقعًا جديدًا تمثل في تكدّس أكثر من مليون ونصف نازح في مناطق ساحلية محدودة المساحة ومنخفضة الارتفاع، تعتمد في الغالب على آبار سطحية ضحلة لا يتجاوز عمق بعضها 15 مترًا. هذه الآبار، وبسبب طبيعة التربة الرملية، تكون شديدة الحساسية لأي تلوث، ما يجعلها عرضة مباشرة لتسرب مياه الصرف الصحي والنفايات.
وأشار إلى أن هذا الواقع أدى إلى تلوث مباشر للمياه الجوفية، خاصة في ظل وجود آبار مياه قريبة من آبار الصرف الصحي، وانتشار شبكات صرف مدمرة أو مكشوفة، الأمر الذي ساهم في انتشار الأمراض المعوية، لا سيما بين الأطفال، في ظل غياب الرقابة الصحية الكافية والفحوصات الدورية المنتظمة.
وتحدث مصلح عن أزمة النفايات الصلبة، موضحًا أن قطاع غزة يشهد تراكمًا لما يزيد على مليون طن من النفايات في مكبات عشوائية، أنشئت في مناطق غير مهيأة بيئيًا، وغالبًا وسط تجمعات سكنية أو بالقرب منها.
وأكد أن هذه المكبات تضم نفايات منزلية مختلطة مع نفايات طبية وخطرة، دون أي عمليات فرز أو معالجة، ما أدى إلى تسرب عصارة شديدة السمية إلى التربة والمياه الجوفية.
وأوضح أن هذه العصارة تحتوي على مواد كيميائية ومعادن ثقيلة، تفاقم خطرها بفعل مخلفات الحرب، مثل البطاريات العسكرية والمواد المتفجرة، التي تتآكل مع الزمن والعوامل الجوية، وتطلق عناصر خطرة قد تصل إلى الخزان الجوفي، ما يشكّل تهديدًا طويل الأمد للصحة العامة.
وفيما يتعلق بمحطات التحلية، أكد مصلح أن جميع محطات التحلية في قطاع غزة تعرضت للتدمير أو التوقف، سواء المحطة الرئيسية أو المحطات الفرعية الصغيرة. وأوضح أن المحطة الرئيسية، التي كانت تنتج نحو 15 ألف متر مكعب يوميًا، خرجت عن الخدمة، كما دُمّرت أو تضررت المحطات الساحلية الأخرى، ومنها محطة كانت تنتج قرابة 10 آلاف متر مكعب يوميًا. أما المحطات الصغيرة المتبقية، فقد توقفت عن العمل بسبب نقص الوقود وارتفاع تكاليف التشغيل وتعطل المولدات.
وأشار إلى أن نسبة المياه المحلاة المتوفرة خلال الحرب لم تتجاوز 10% من القدرة الإنتاجية السابقة، ما حرم السكان من أحد أهم مصادر المياه الآمنة، وزاد الاعتماد على المياه الجوفية الملوثة.
وشدد مصلح على أن تلوث الخزان الجوفي ازداد بشكل غير مسبوق، في وقت تعجز فيه البلديات والمؤسسات المحلية عن إجراء فحوصات شاملة ومنتظمة بسبب غياب المعدات والمختبرات. وأوضح أن بعض الجهات الدولية، مثل منظمة الصحة العالمية، أجرت فحوصات محدودة في عدد قليل من المخيمات، لكنها لا تعكس الصورة الكاملة للوضع في مختلف مناطق القطاع.
وختم بالتحذير من أن آثار هذه الأزمة لن تقتصر على المرحلة الحالية، بل ستظهر تباعًا على المدى المتوسط والبعيد، عبر انتشار الأمراض المزمنة والتأثيرات الصحية الخطيرة.
وأكد أن الحد من الكارثة يتطلب إجراءات عاجلة، تشمل تعقيم المياه بالكلور، وصيانة شبكات المياه والصرف الصحي، ومنع تسرب المياه الملوثة إلى الشبكات، وتوفير خزانات آمنة، وضمان إمدادات الوقود للبلديات، وإدارة النفايات الصلبة والطبية بشكل صحي، مشددًا على أن حجم الاحتياجات هائل جدًا مقارنة بالإمكانات المتاحة في ظل الدمار الشامل الذي طال قطاع المياه في غزة.