مقال: همسات للدكتور علي شعث

المدهون.jpg
المدهون.jpg

إبراهيم المدهون



في البداية، أتوجه إليك بالتحية والتقدير، متمنيًا لك التوفيق والسداد. لا شك أنك تأتي في مرحلة شديدة الصعوبة، دقيقة إلى حدّ الخطورة، وتحمل أمانة ثقيلة ومسؤولية استثنائية، بعد إبادة ومدينة أُنهكت حتى العظم، وبلدٍ دُمّر في الحجر والبشر.

لكن، وفي الوقت ذاته، جئت وغزة اليوم ليست كما كانت. لقد باتت بحجم الكون، بعد أن تداعى عليها العالم كله، واشتعل حراك دولي واسع يساندها ويقف مع أبطالها. هناك تقدير شعبي عربي وإسلامي وإنساني متنامٍ، ورأي عام عالمي يؤمن بأن هذه البقعة الصغيرة في جغرافيتها، العظيمة في أثرها، ستكون لتجربتها وتضحيات وبطولات أهلها بصمة كبرى على مستوى المنطقة.

من الحكمة، في هذا السياق، أن تلتزم إدارة تكنوقراط غزة بخفض سقف التوقعات، وتجنّب الإكثار من التصريحات، والامتناع عن إطلاق الوعود، واعتماد التريّث والعمل بصمت. المطلوب هو التوجه بهدوء إلى مفاصل المجتمع الفلسطيني كافة، دون اصطدام مع أي طرف، وبقدر عالٍ من الرفق والاتزان في التعامل مع واقع شديد التعقيد، بل معقّد إلى حدّه الأقصى.

إسرائيل لن تسمح بنجاح أي تجربة فلسطينية، بما في ذلك هذه الإدارة التكنوقراطية؛ فهي معنية باستمرار احتلالها لغزة، وبإفشال أي اتفاق يمكن أن يفتح أفقًا مختلفًا. من هنا، لا بد من التعاطي مع المرحلة بهدوء ورويّة، وبعقل بارد يدرك أن الاستهداف قادم مهما كانت النوايا أو السلوك أو الفعل؛ فكل فلسطيني في نظرها عدو، فكيف بمن يبني ويُعمّر ويحظى بقبول دولي؟

في هذه المرحلة الحساسة، لا تحتمل الساحة الفلسطينية ازدواجية الأدوار ولا تداخل الصلاحيات، بل تحتاج إلى وضوح وانضباط، وتوزيع أدوار مدروس يحفظ وحدة الصف، دون الوقوع في فخ الإقصاء. المطلوب الاستفادة من الكل الفلسطيني؛ فأبناء غزة جميعهم خيار، وشبابها طاقة نادرة لا مثيل لها في العالم. في غزة طاقات قادرة على تحويل الحجارة إلى ذهب، فلا تُبعد أحدًا ولا تُقصِ أحدًا. الجميع مستعد للعمل وإنجاح هذه التجربة، وواجبنا أن نمنع استهدافها من بوابة التشويش أو الاتهام، وأن نفتح المجال أمام تكامل العمل الفلسطيني، بحيث يؤدي كل طرف دوره دون مزاحمة أو استنزاف داخلي.

وتبقى الأولوية المطلقة، التي يجب ألا تزاحمها أولوية أخرى: إنهاء الحرب بشكل كامل، وإعادة الحياة، ومراكمة الفعل الفلسطيني في القطاع. فغزة ليست جزءًا فحسب، بل هي صمام الأمان، وجوهر وقلب المشروع الوطني الفلسطيني.