حلّ شهر رمضان هذا العام ثقيلاً على العائلات الفلسطينية القاطنة قرب ما يُعرف بـ"الخط الأصفر" شرق قطاع غزة، حيث تختلط أجواء العبادة برائحة البارود، ويغدو صوت الأذان متداخلاً مع أزيز الرصاص المتكرر.
في الأحياء الشرقية لمدن القطاع، تتكرر حوادث إطلاق النار والتحليق المكثف للطائرات، ما يجعل تفاصيل الحياة اليومية محفوفة بالمخاطر، حتى في أكثر اللحظات روحانية خلال الشهر الفضيل.
سحور على وقع الطلقات
قبيل أذان الفجر، تجتمع عائلة أبو سالم داخل منزلها المتواضع في منطقة التُّفاح، بينما يوصي الأب أبناءه بعدم الاقتراب من النوافذ. يقول:"نحاول أن نعيش أجواء رمضان كأي عائلة، لكننا نبقى في حالة ترقّب دائم، في ظل تحليق متكرر لطائرات الكواد كابتر وإطلاقها المستمر للنار".
لم تعد الجلسات الرمضانية تمتد إلى ساعات متأخرة كما في الأعوام السابقة، فمع حلول المساء تفضّل كثير من العائلات البقاء داخل منازلها تجنبًا لأي تصعيد مفاجئ.
الأطفال، الذين كانوا يملؤون الشوارع بالفوانيس والأناشيد ويضيئونها بأسلاك الجلي، باتوا يكتفون باللعب داخل الأزقة الضيقة أو داخل المنازل.
خوف دائم يبدّد الطمأنينة
أم محمد حجازي، ذات الأربعين عامًا، تعيش مع أسرتها الصغيرة في منطقة الهوجا، على مسافة تقل عن مئتي متر من الخط الأصفر، حيث تتحول تفاصيل الحياة اليومية إلى معركة صامتة مع الخوف.
هي أم لابنة في الثانية والعشرين من عمرها، وشاب لم يتجاوز الثامنة عشرة، لكن أعمارهم الحقيقية تُقاس بعدد الليالي التي قضوها على وقع الرصاص، لا بعدد السنوات.
مع حلول شهر رمضان، كانت أم محمد تحلم أن تمتلئ أيامها بالطمأنينة، وأن تذهب برفقة زوجها وأبنائها إلى المسجد لأداء صلاة التراويح كما تفعل العائلات الآمنة، لكن إطلاق النار المتواصل من قبل الاحتلال سرق منها هذا الحلم البسيط.
في كثير من الليالي يُغلق باب البيت باكرًا، فيما يكتفي الأب في بعض الأحيان بالذهاب وحيدًا خوفًا على بقية أفراد الأسرة.
حتى وجبة السحور، التي يُفترض أن تكون لحظة دفء واجتماع، باتت تؤكل على عجل وتحت توتر دائم.
تقول أم محمد إن أصوات الطلقات لا تغيب عن آذانهم، وإن الخوف يجلس بينهم على المائدة ضيفًا ثقيلًا لا يغادر. زوجها وابنها لا يستطيعان الخروج لصلاة الفجر في المسجد، فمجرد فتح باب المنزل قد يعني التعرّض للخطر، والخروج في بعض الأحيان أشبه بالمجازفة بالحياة.
وتضيف الأم، التي تقطن في منطقة يقل عدد العائلات المقيمة فيها:"في ليالٍ كثيرة، يصل الرصاص إلى جدران البيت نفسه، فيطرقها طرقًا قاسيًا، كأنه يذكّرنا بأن الموت قريب".
الخوف لا يحرمهم فقط من النوم الهادئ، بل يحرمهم أيضًا من التلذذ بالعبادة، ومن الخشوع في الصلاة، ومن تلك السكينة التي يُفترض أن يهبها رمضان للقلوب.
بين أذان المغرب وأذان الفجر، تعيش هذه الأسرة صراعًا يوميًا بين رغبتها في التقرب إلى الله وواقع يفرض عليها الاحتماء داخل الجدران.
قصة أم محمد حجازي ليست استثناءً في منطقة الهوجا، لكنها صورة موجعة لرمضان يُعاش تحت التهديد، حيث يتحول الدعاء من طلب للقبول إلى دعاء بالنجاة.
تحدٍّ وإصرار
يؤكد سكان المناطق القريبة من الخط الأصفر أن إطلاق النار التحذيري أو العشوائي يتكرر على فترات، خاصة في ساعات الليل، ما يزرع القلق في نفوسهم ويجعل النوم مهمة صعبة.
وفي بعض المناطق القريبة من الحدود، تراجع عدد المصلين في صلاتي التراويح والفجر بسبب المخاوف الأمنية. ويوضح أحد أئمة المساجد أن الأهالي يوازنون بين رغبتهم في إحياء الشعائر الدينية والحفاظ على سلامتهم في ظل أجواء غير مستقرة.
ورغم ذلك، يصرّ كثيرون على التمسك بروح الشهر الفضيل. تُضاء المنازل بفوانيس بسيطة، وتُعد موائد إفطار متواضعة، في رسالة صمود تعكس رغبة الأهالي في الحفاظ على ما تبقى من تفاصيل الحياة الطبيعية.
وبين صوت المدفع الذي يعلن موعد الإفطار وصوت الرصاص الذي قد يخترق سكون الليل، تمضي أيام رمضان على العائلات القريبة من "الخط الأصفر"، وهم يتشبثون بالأمل في أن يحلّ عليهم العيد وهو يحمل معه الأمان والسكينة.