مقال: غزة بين "الخط الأصفر" واستراتيجية "الاحتلال الزاحف": هل يرسم الاحتلال حدوداً دائمة؟

غزة بين "الخط الأصفر" واستراتيجية "الاحتلال الزاحف": هل يرسم الاحتلال حدوداً دائمة؟
غزة بين "الخط الأصفر" واستراتيجية "الاحتلال الزاحف": هل يرسم الاحتلال حدوداً دائمة؟

الباحث والمختص في الشأن العسكري والأمني رامي أبو زبيدة

لا يمكن قراءة التحركات الإسرائيلية الأخيرة في قطاع غزة، وتحديداً ما يعرف بـ"الخط الأصفر"، بمعزل عن رؤية استراتيجية أوسع تهدف إلى إعادة هندسة القطاع جغرافياً وأمنياً. إن ما يجري اليوم ليس مجرد تموضع تكتيكي لمرحلة ما بعد الحرب، بل هو صياغة لواقع احتلالي جديد يتجاوز مفاهيم الانسحاب التقليدية.

ماذا يفعل الاحتلال خلف "الخط الأصفر"؟

إن "الخط الأصفر" ليس مجرد خط لترسيم الحدود أو الانسحاب، بل هو أداة سيطرة عملياتية يهدف الاحتلال من خلالها إلى تحقيق الأهداف التالية:

1_  يعمل الاحتلال على تحويل مساحات واسعة شرق القطاع إلى مناطق عازلة ومراقبة، تمنع عودة السكان وتؤمّن "حرية الحركة النارية" للجيش لتنفيذ ضربات جراحية دون الحاجة لاجتياحات واسعة.
 
2_  الهندسة التكنولوجية للسيطرة: منذ بدء وقف اطلاق النار نرى خلف هذا الخط، الاحتلال يختبر  منظومة "السيطرة الذكية" عبر نقاط تفتيش تعتمد على الذكاء الاصطناعي وبصمة الوجه، لتحويل حياة الغزيين إلى معادلة "الهدوء مقابل الغذاء والدواء".

 3_ تحديث بنك الأهداف واستنزاف المقاومة.. تُستغل فترات الهدوء الحالية لتعزيز الجهد الاستخباراتي ووحدات الاستطلاع، لإبقاء المقاومة في حالة استنزاف دائم ومنعها من مرحلة "التعافي وإعادة التنظيم".

استراتيجية الاحتلال: هل نحن أمام "المرحلة الثانية" أم تكريس للواقع؟

الواقع الميداني الحالي يشير إلى أن الاحتلال يتبنى "السياسة الزاحفة". هو لا يسعى لإعلان انتقال صاخب للمرحلة الثانية، بل يعمل على "قضم" الأرض تدريجياً وتحويل الخطوط الحالية إلى حدود تشغيلية ثابتة تخدم مصالحه الأمنية. 

نرى تحول النمط العسكري من الحرب الشاملة إلى "الضربات المتقطع" والاغتيالات الانتقائية. هذا النمط يهدف لتكريس واقع أمني يستبيح القطاع دون التزامات سياسية أو قانونية .

 الرهان على "الذريعة": يضع المستوى السياسي الإسرائيلي شرط "العثور على آخر جثة جندي" (غويلي) ككابح للانتقال الرسمي للمرحلة التالية، ما يمنح الجيش وقتاً إضافياً لترسيخ نقاط المراقبة وتوسيع الحزام الأمني غرباً والتنصل من إلتزامات الدخول للمرحلة الثانية .

 تسييس المساعدات: تحويل المساعدات الإنسانية إلى أداة ضغط عسكري مباشر تهدف لتجريد المقاومة من حاضنتها الشعبية.

هل في الأفق انسحاب إسرائيلي أم اقتراب من "خطة ترامب"؟

بناءً على التوسع الميداني وتنسيق المواقف مع الإدارة الأمريكية الجديدة، يبدو أن خيار الانسحاب مستبعد كلياً في المدى المنظور القريب، والبديل هو "بقاء الاحتلال الجزئي" المتقاطع مع رؤية ترامب: حيث جرى تسويق "المناطق المنزوعة السلاح": من خلال الاحتلال  "الخط الأصفر" للإدارة الأمريكية كإنجاز أمني يضمن وجود مناطق منزوعة السلاح، وهو ما يمهد الطريق لمشاريع "إعادة الإعمار المشروطة" أمنياً كما يجري الحديث الان عن رفح الخضراء .

 التفاهم مع ترامب: تشير التقارير إلى تفاهمات (نتنياهو-ترامب) لبدء إعمار مناطق مثل رفح بشرط نزع السلاح، مما يجعل بقاء الجيش في مناطق السيطرة (الخط الأصفر) شرطاً دولياً لحماية فرق الإعمار والمشاريع الدولية.
 
الخارطة الجديدة: الاحتلال يعيد رسم خريطة غزة لتقسيمها إلى كانتونات معزولة أمنياً، مما يجعل أي انسحاب مستقبلي مجرد "إعادة تموضع" داخل الغلاف أو على تخوم المناطق العازلة الجديدة، وليس خروجاً حقيقياً.

وعليه يمكن القول إننا أمام مرحلة "الاحتلال الممتد بأدوات تكنولوجية". إسرائيل لا تعتزم الانسحاب بل تعتزم "توطين" سيطرتها العسكرية خلف الخط الأصفر، واستخدام الأرض كورقة ضغط سياسي دائمة، مع تحويل غزة إلى مختبر مفتوح لأنظمة الرقابة والسيطرة الجغرافية، بانتظار لحظة سياسية مواتية لفرض هذا الواقع كحل نهائي برعاية إقليمية ودولية

متعلقات

أخبار رئيسية

المزيد من مقالات