في مفارقات التاريخ ما يكفي لكتابة مجلدات من السخرية السوداء، لكن أن يطبع الاحتلال اسم “فلسطين” على منتجاته، فذلك فصلٌ فلسفيّ كامل عن عبث الهوية مقابل الربح والتجارة.
على مدار أكثر من سبعين عامًا، كان محو اسم فلسطين من الخريطة مشروعًا سياسيًا معلنًا، بل هدفًا من أهداف الاستعمار ذاته. فالأرض – في الخيال الاستعماري – إذا جُرّدت من اسمها، صارت قابلة لإعادة التعريف.
“أرض بلا شعب” تعني – في منطقهم – أرضًا بلا اسم، بلا ذاكرة، بلا رواية. هكذا رُفعت لافتات جديدة، واستُبدلت أسماء مدن وقرى، وتكرّست خرائط تُعلّق فيها “إسرائيل” عاليًا، بينما يُدفع اسم فلسطين إلى الهامش، أو يُمحى تمامًا.
لكن السوق لا يعترف بالشعارات، بل بالأرقام الربح والخسارة
في مواسم رمضان، حين تتصاعد دعوات مقاطعة تمور الاحتلال في أوروبا والعالم الإسلامي، وحين يتحول التمر من مجرد سلعة غذائية إلى موقف أخلاقي، وجدت بعض شركات التمور الإسرائيلية نفسها أمام خسائر متزايدة.
حملات المقاطعة، التي اتسعت رقعتها، لم تبقَ مجرد دعوة عاطفية، بل تحولت إلى سلوك شرائي مؤثر، ألحق خسائر وصلت في بعض الشركات إلى نحو 70%.
وهنا تبدأ المفارقة.
الاسم الذي سعى الاحتلال عقودًا لمحوِه، عاد فجأة ليُطبع على العلب الكرتونية. “تمور القدس”. “تمور فلسطين”. كلمات كانت تُقصى من الخرائط، أصبحت اليوم جسرًا إلى رفوف المتاجر الأوروبية. الاسم الذي اعتُبر تهديدًا سياسيًا، صار أداة تسويق.
إنه لمشهد يدعو إلى الضحك !!
الفكرة التي رُوّجت طويلًا – أن الأرض بلا شعب – لم تكن في جوهرها سوى محاولة لانتزاع الاسم من المكان. فالهوية تبدأ بالكلمة. حين يُمحى الاسم، يُمحى الاعتراف.
لكن المقاطعة قلبت المعادلة.
السخرية هنا ليست في تبديل الملصقات، بل في تبدّل المعنى. من حاول طمس الاسم، صار يستخدمه ليبيع. ومن سعى إلى محو الذاكرة، اضطر إلى استعارتها مؤقتًا لإنقاذ أرباحه. كأن التاريخ يبتسم ابتسامة خفيفة وهو يراقب المفارقة: الهوية التي أُريد لها أن تختفي، أثبتت أنها أقوى من أن تُمحى، بل وقادرة على أن تفرض نفسها حتى في قلب السوق.
المقاطعة، في هذا السياق، لم تكن مجرد امتناع عن شراء سلعة، بل فعلًا رمزيًا أعاد الاعتبار للاسم. وحين يصبح الاسم عبئًا سياسيًا في زمن، ثم يتحول إلى طوق نجاة اقتصادي في زمن آخر، ندرك أن المعركة لم تكن على الأرض وحدها، بل على الكلمة أيضًا.
ربما لهذا يبدو المشهد تأمليًا بقدر ما هو ساخر:
الاحتلال الذي حاول سبعين عامًا أن يمحو “فلسطين” من الخارطة، يطبعها اليوم على علبة تمر، علّه يجد طريقًا إلى قلب مستهلكٍ يقاطع.