تدشين عملة رقمية لقطاع غزة ليس خطوة تقنية محايدة، بل هو مشروع اقتصادي سياسي يعيد تعريف شكل السيطرة على المجال المالي، فهناك تصورات تُطرح ضمن ترتيبات ما بعد الحرب تقوم على إعادة تشكيل غزة كحيز منزوع السيادة النقدية، عبر تقليص استخدام النقد الورقي والدفع نحو نموذج "اقتصاد رقمي" تتحكم ببنيته التحتية أطراف خارجية تخدم الرؤية الإسرائيلية.
وقد طرح إسرائيل سابقا أفكار تتعلق بالتحكم المالي الكامل في غزة، من بينها مقترحات لإلغاء التداول النقدي، ومحاولات متكررة للحد من إدخال السيولة الورقية، بما يؤدي إلى إضعاف الثقة بالنقد وتعزيز الاعتماد القسري على البدائل الرقمية، في ظل تغييب واضح للدور الفعلي لسلطة النقد والبنوك المحلية.
ولعل تدشين عملة رقمية يعني فعليا نقل النشاط المالي من مساحة الحق في امتلاك المال والتصرف به بحرية، إلى مساحة التحكم التشغيلي والأمني، حيث تصبح كل معاملة قابلة للرصد والتتبع والبرمجة. فالعملة الرقمية، إذا لم تخضع لسيادة فلسطينية كاملة على البيانات والخوادم وأنظمة الدفع يمكن أن تتحول من أداة تسهيل إلى أداة ضبط جماعي.
ولا يقتصر الخطر على إمكانية منع المال، بل يمتد إلى قابلية تجميد المحافظ الرقمية أو تقييدها بقرار إداري واحد، أو وسم أفراد بتصنيفات أمنية تؤدي إلى تعطيل وصولهم إلى أموالهم دون رقابة مستقلة أو ضمانات قانونية كافية، عندها يصبح الوصول إلى الغذاء والدواء والسكن مرهونا بإشارة رقمية قابلة للتعليق.
ويبرز أثر إلغاء النقد على الاقتصاد غير الرسمي، الذي يشكل جزءا كبيرا من دورة الحياة اليومية في غزة، من الباعة الصغار إلى المشاريع المنزلية، فإخراج النقد من التداول قد يعني إقصاء شرائح واسعة غير مهيأة تقنيا أو مصرفيا ما يفاقم الهشاشة الاجتماعية.
كما أن الاعتماد الكامل على بنية رقمية في ظل انقطاعات الكهرباء والإنترنت يعرض النظام المالي لخطر الشلل الفوري. أضف إلى ذلك مسألة كلفة التحويلات والعمولات ومن يتحكم بها فالجهة المسيطرة على المنصة تستطيع فرض رسوم وشروط استخدام قد تزيد الأعباء على الأفراد والتجار.
وتتعمق المخاوف مع احتمال تغييب سلطة النقد وإنهاء دورها التنظيمي والرقابي، بما يعني تفكيك أحد أعمدة الاستقلال المالي المتبقية، وتحويل إدارة السياسة النقدية إلى خارج الإطار الوطني. عندها لا يعود الأمر تحديثا ماليا، بل إعادة هندسة شاملة للاقتصاد تحت سقف تحكم خارجي.