في الأزمنة العادية، تمرّ التصريحات المتطرفة كضجيجٍ عابر في هوامش الأخبار. لكن حين تُغلق أبواب المسجد الأقصى في أكثر أيامه ازدحامًا، في قلب رمضان، يصبح لكل كلمة ظلٌّ أثقل من مجرد صوتٍ يهذي.
مقطع فيديو متداول منسوب للحاخام المتشدد يوسي مزراحي يتحدث عن فكرة يسعى لتحقيقها، وهي “ادعاء” سقوط صاروخ على الأقصى وتدميره بوصفها “معجزة” تخلّصهم منه! هذا التصريح المتطرف لم يعد مجرد هذيان فردي في فضاء افتراضي، بل صار، في هذا التوقيت تحديدًا، سؤالًا مفتوحًا على احتمالات مقلقة.
لليوم الرابع على التوالي، يبقى الأقصى مغلقًا. الساحات التي كانت تمتلئ بآلاف المصلين قبيل المغرب تبدو الآن كأنها تحفظ صدى خطوات غابت فجأة. وفي الخليل، المشهد ذاته في الحرم الإبراهيمي: أبواب موصدة، وذريعة واحدة هي “الظروف الأمنية” على خلفية التصعيد الإيراني الإسرائيلي الأمريكي. غير أن السؤال الذي يتسلل بين أزقة القدس القديمة ليس عن الذريعة، بل عن التوقيت، وعن المعنى الكامن خلف الإغلاق.
حين يُبعد المصلون عن مسجدهم بحجة حمايتهم، بينما لا تتوافر لهم ملاجئ ولا بنية حماية في مدنهم وقراهم، يبدو المشهد مفارقًا. الحماية هنا لا تعني درء الخطر بقدر ما تعني إعادة تعريف العلاقة بين الناس ومكانهم المقدس.
المسجد، في لحظة الإغلاق، يتحول من فضاء حيّ يعجّ بالدعاء إلى مساحة معلّقة بقرار عسكري. وهنا يكمن التحول الأخطر: من كونه بيتًا مفتوحًا للناس، إلى ملف إداري قابل للإغلاق ببلاغ طارئ.
يرى مسؤولون فلسطينيون في هذا الإغلاق استغلالًا للحرب لتكريس مزيد من السيطرة على المقدسات. فالقيود على دخول أهالي الضفة، وتحييد دور الأوقاف الأردنية، ومنع إدخال المستلزمات، وإبعاد الحراس والموظفين؛ كلها تفاصيل تبدو إجرائية في ظاهرها، لكنها في جوهرها تعيد رسم حدود السيادة داخل المكان.
من يملك حق فتح الباب وإغلاقه؟ ومن يقرر من يدخل ومن يُمنع؟ أسئلة بسيطة في ظاهرها، لكنها تحمل في طياتها صراعًا على المعنى قبل أن يكون صراعًا على الحجر.
الكاتب المختص بشؤون الأقصى زياد أبحيص يرى أن ما يحدث ليس طارئًا فرضته الحرب، بل خطوة مدروسة في مسار طويل. ويشير إلى أن قرار الإغلاق جاء سريعًا مع بدء التصعيد، وكأنه كان ينتظر اللحظة المناسبة. بالنسبة له، فإن الحديث عن “السلامة الأمنية” يتهاوى أمام واقع غياب أدوات الحماية للفلسطينيين، ليكشف أن الهدف الأعمق هو فصل الأقصى عن حاضنته الشعبية، وتحويل إغلاقه إلى صلاحية مُسلَّم بها.
المؤشرات، كما يقول، سبقت الحرب ورمضان معًا: تشديد القيود، توسيع ساعات الاقتحام، محاولات المساس بمصلى باب الرحمة، وطرح مشاريع قوانين تمسّ صلاحيات الأوقاف. سلسلة من الخطوات المتدرجة تبدو صغيرة كل على حدة، لكنها ترسم معًا مسارًا واضحًا نحو تكريس سيطرة مباشرة، وتوسيع التقسيم الزماني، وإعادة فتح ملف التقسيم المكاني.
التاريخ القريب يقدم أمثلة مشابهة؛ من هبة باب الأسباط عام 2017، إلى إغلاق كورونا عام 2020، وصولًا إلى إغلاق يونيو 2025. في كل مرة كان هناك ظرف استثنائي يبرر الإجراء، وفي كل مرة كان الإجراء يترك أثرًا أبعد من الظرف نفسه. الاستثناء يتحول تدريجيًا إلى قاعدة، والطارئ إلى ممارسة قابلة للتكرار.
في هذا السياق، يصبح الفيديو المتداول أكثر من مجرد تصريح صادم؛ إنه يعكس مناخًا فكريًا يرى في غياب المسجد “حلًا”، حتى لو جاء على هيئة ادعاء أو رواية مختلقة. وعندما يتقاطع هذا المناخ مع واقع إغلاق فعلي، تتعاظم المخاوف من أن تتحول الأفكار المتطرفة إلى أرضية تبرر خطوات عملية.
الأقصى، في النهاية، ليس مبنى يُفتح ويُغلق بقرار إداري، بل ذاكرة جماعية ومرآة لهوية مدينة كاملة. إغلاقه في رمضان ليس مجرد إجراء أمني، بل اختبار لإمكانية عزله عن أهله، ولحدود الصمت الدولي إزاء ذلك. وبين الهذيان المعلن والإغلاق المفروض، يبقى السؤال معلقًا: هل الحرب سبب عابر، أم ستار لخطوة أبعد؟