لم يعد الناس ينخدعون بأكذوبة الهدنة أو الهدوء، وهذا ما حدث في خان يونس اليوم.
ففي صباحٍ بدا عادياً في مدينةٍ اعتادت أن تقتنص لحظات الحياة بين جولات القصف، خرج أحمد يونس القدرة ممسكاً بيد طفلته الصغيرة جوليا. كانت تحمل حقيبتها المدرسية وتخطو بجانبه بثقة الأطفال الذين يظنون أن المدرسة ما زالت مكاناً آمناً، وأن الطريق إليها مجرد مسافة قصيرة بين البيت والدفتر والقلم.
كان أحمد يسير ببطء، يراقب الطريق ويبادل ابنته الحديث. لم يكن يحمل شيئاً سوى قلب أبٍ يحاول أن يعيد لطفلته شيئاً من الحياة التي سرقتها الحرب. في غزة، حتى الذهاب إلى المدرسة صار فعلاً من أفعال التمسك بالحياة.
لكن الهدوء الذي بدا في ذلك الصباح لم يكن سوى قشرة رقيقة تخفي تحتها الحقيقة التي يعرفها الغزيون جيداً: أن الهدنة في قطاع غزة كثيراً ما تكون مجرد كلمة، سرعان ما تمزقها الطائرات.
بين لحظة وأخرى، اخترق صوت طائرة مسيّرة السماء، ثم تبعه صاروخ سقط قرب الأب وابنته. لم يكن في المكان أي اشتباك، ولا معركة، ولا هدف عسكري ظاهر. كان هناك أب يسير إلى جانب طفلته في طريق المدرسة.
انتهى المشهد خلال ثوانٍ.
استشهد أحمد القدرة في المكان، بينما أصيبت طفلته جوليا إصابة حرجة. سقطت حقيبتها المدرسية على الأرض، وامتزجت دفاترها بالغبار، فيما هرع الناس لمحاولة إسعافهما ونقلهما إلى مستشفى ناصر في خان يونس.
تحول الطريق الذي كان يفترض أن يقود طفلة إلى صفها الدراسي، إلى طريقٍ يقودها إلى غرفة العناية المركزة.
تذكير جديد بأن ما يُسمى بالهدوء أو وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة توقف القتل. فالغزيون الذين عاشوا سنوات طويلة تحت القصف باتوا يدركون أن الهدنة قد تُخرق في أي لحظة، وأن السماء التي تبدو هادئة قد تتحول فجأة إلى مصدر موت.
في مستشفى ناصر، تجمع أقارب الشهيد وسكان من المنطقة. بعضهم كان يعرف أحمد، وآخرون لم يلتقوه من قبل، لكنهم كانوا يدركون أن القصة واحدة من القصص الكثيرة التي تبدأ بخطوة صغيرة نحو الحياة وتنتهي بفاجعة.
أما جوليا، الطفلة التي خرجت في الصباح لتصل إلى المدرسة، فقد وجدت نفسها تقاتل من أجل حياتها على سرير المستشفى.
وتشير المعطيات إلى أن ما يسمى بالهدنة التي أُعلن عنها في أكتوبر 2025 لم توقف القتل في قطاع غزة، إذ سُجِّل منذ ذلك الحين أكثر من 1300 خرق من قبل الاحتلال لوقف إطلاق النار.
وشملت هذه الخروقات 604 عمليات قصف واستهداف مباشر، و430 حالة إطلاق نار، و66 توغلاً عسكرياً داخل المناطق السكنية، إضافة إلى نحو 200 عملية نسف لمنازل ومبانٍ. ونتيجة لهذه الاعتداءات المتواصلة ارتفع عدد الضحايا إلى ما يقارب 600–630 شهيداً فلسطينياً منذ إعلان الهدنة، فيما تشير التقديرات إلى أن 52% من الضحايا هم أطفال ونساء.