لم تكن بيسان عدوان تبحث عن أكثر من مساحة هادئة تكتب فيها، مساحة صغيرة تكفي لالتقاط أنفاسها بعد سنوات من العيش في ظل حربٍ لا تنتهي، وخساراتٍ تتكرر في وطنٍ اعتاد أن يودّع أبناءه كل صباح.
لذلك حين وصلت إلى مدينة لوند في السويد ضمن برنامج مدن الملاذ الآمن للكتّاب، بدا الأمر وكأنه فرصة نادرة: أن تكتب بلا خوف.
لكن القصة لم تسر كما ينبغي.
بيسان، الكاتبة والصحفية الفلسطينية، جاءت إلى السويد ضمن برنامج دولي يهدف إلى حماية الكتّاب المهددين في بلدانهم. فكرة البرنامج بسيطة في جوهرها: أن تمنح المدن الأوروبية للكتّاب مساحة آمنة للعيش والكتابة، بعيداً عن القمع أو الحرب أو التهديد.
غير أن هذه المساحة، بالنسبة لبيسان، لم تدم طويلاً.
فبعد أشهر قليلة من وصولها، بدأت حملة إعلامية في بعض الصحف السويدية تتهمها بسبب منشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، اعتُبرت سياسية أو “مثيرة للجدل”. وسرعان ما تحولت الاتهامات إلى ضغط سياسي وإعلامي، دفع بلدية لوند إلى مراجعة المنحة الثقافية التي حصلت عليها.
وهكذا وجدت بيسان نفسها مرة أخرى في مواجهة السؤال القديم الذي يلاحق الفلسطينيين أينما ذهبوا:
هل يمكن للفلسطيني أن يتحدث عن وطنه بحرية دون أن يُتهم؟
في بيانها، نفت عدوان الاتهامات الموجهة إليها، مؤكدة أنها كاتبة تنتمي إلى التيار العلماني اليساري الفلسطيني، وأنها تدين استهداف المدنيين أياً كان مرتكبه. لكنها أيضاً لم تتراجع عن حقها في التعبير عن مواقفها السياسية والإنسانية.
بالنسبة لكثير من المثقفين الفلسطينيين والعرب، لم تكن القضية مجرد منحة ثقافية. كانت اختباراً حقيقياً لفكرة حرية التعبير نفسها.
فبرنامج حماية الكتّاب أُنشئ أصلاً لحماية الأصوات المهددة، لا لمحاسبتها على مواقفها السياسية.
وإذا كان الكاتب سيُفحص سياسياً قبل أن يُسمح له بالكتابة، فإن فكرة “الملاذ الآمن” تفقد معناها. لهذا جاء التضامن سريعاً.
كتّاب ومثقفون اعتبروا أن ما يحدث مع بيسان يتجاوز شخصها، ليصبح جزءاً من ظاهرة أوسع: تضييق متزايد على الأصوات الفلسطينية في الفضاء الثقافي الغربي، خصوصاً منذ الحرب على غزة.
في نهاية الأمر، لا تتعلق القصة بكرونات سويدية أو بمنحة ثقافية.
إنها قصة كاتبة فلسطينية حملت معها إلى أوروبا شيئاً لا يمكن تركه على الحدود: ذاكرة وطنٍ مثقل بالحصار والحروب.
والذاكرة، كما يعرف الفلسطينيون جيداً، لا يمكن سحبها بقرار إداري.
لأن الفلسطيني حين يكتب، لا يكتب فقط نصاً أدبياً. إنه يكتب دفاعاً عن حقه في أن يُروى.