في فجرٍ الأمس البارد من يوم 25 مارس/آذار 2026، لم يكن الصوت الذي أيقظ بلدة جبل المكبر أذاناً … بل كان طرقاً عنيفاً أعقبه إطلاق نار أنهى حياة شاب في الحادية والعشرين من عمره، هو قاسم أمجد شقيرات.
داخل منزله، سقط قاسم، بينما أكايب الاحتلال تروج رواية الشرطة الإسرائيلية التي قالت إنه حاول انتزاع سلاح أحد أفرادها، بينما أكدت عائلته أن الرصاص أُطلق عليه مباشرة داخل البيت، دون أن يشكّل خطراً.
في اللحظة نفسها، لم تتوقف العملية عند هذا الحد. ثلاثة شبان آخرون اعتُقلوا من البلدة، واقتيدوا إلى التحقيق، فيما كانت اقتحامات أخرى تجري بالتوازي في كفر عقب والرام وبدو وبيت إجزا وعناتا، حيث سُجّلت إصابات واعتقالات، وأُجبر أحد الشبان على تسليم نفسه بعد احتجاز والده للضغط عليه.
خلال ساعات قليلة، بدت القدس وكأنها تُسحب من هدوئها قسراً، لتُدفع إلى يوم جديد مثقل بالخوف؛ بينما ينشغل العالم في حروبه.
ففي الجهة الأخرى من المدينة، كانت الحكاية تُكتب بطريقة مختلفة في حي بطن الهوى بسلوان، حيث أُخرجت 13 شقة سكنية من أصحابها بالقوة، 11 منها لعائلة الرجبي وشقتان لعائلة بصبوص، ليجد نحو 65 فلسطينياً أنفسهم فجأة في الشارع.
و لم تكن تلك مجرد عملية إخلاء، بل اقتلاع كامل للحياة من الجدران التي احتفظت بذكرياتهم. تغيّرت الأقفال، أُغلقت النوافذ بالقضبان، وتحولت البيوت إلى مساحات صامتة واكمال لما استفحل مع بداية عام 2023 حيث هجر الاحتلال نحو 15 عائلة من الحي ذاته، فيما تواجه 32 عائلة أخرى خطر الإخلاء، ما يعني أن قرابة 250 فلسطينياً مهددون بفقدان منازلهم.
في المقابل، تستند جمعيات استيطانية إلى ادعاءات ملكية تعود لما قبل عام 1948، بينما يؤكد السكان امتلاكهم وثائق عثمانية منذ عام 1892 تثبت حقهم في الأرض.
المشهد كان قاسياً ومركباً؛ عائلات تغادر تحت الضغط، تحمل ما استطاعت من حقائب، وأطفال يلتفتون خلفهم وكأنهم يحاولون حفظ تفاصيل المكان، فيما صعد مستوطنون إلى أسطح المباني، يرقصون ويغنون احتفالاً بالسيطرة على الشقق. بين مشهدين متناقضين، بدا أن المدينة نفسها تنقسم إلى عالمين لا يلتقيان.
ولم يكن المسجد الأقصى بعيداً عن هذا السياق. فمنذ ما يقارب الشهر فرضت القوات الإسرائيلية قيوداً مشددة على دخول المصلين، ومنعت تجمعات واسعة عند أبوابه، وقمعت مصلين حاولوا الوصول إليه لأداء الصلاة، خاصة في محيط البلدة القديمة لتتحول الصلاة أيضا إلى رحلة محفوفة بالحواجز والمنع.
في يوم واحد فقط، يمكن قراءة صورة كاملة لما يحدث في القدس: شاب يُقتل داخل منزله، أربعة شبان يُعتقلون، إصابات في مواجهات، 13 شقة تُصادر، 65 شخصاً يُهجّرون، ومئات آخرون ينتظرون المصير ذاته، فيما تُقيّد أبواب الأقصى أمام المصلين.
وبعد أيام سيصل العدوان على الأقصى ذروته بقربان عيد الفصح، حيث تتصاعد دعوات جماعات "الهيكل" لإدخال القرابين وذبحها داخل باحاته، في سابقة تُعد الأخطر منذ سنوات.
هذه الدعوات لا تأتي في فراغ، بل تترافق مع إجراءات ميدانية واضحة؛ تضييق على المصلين، إغلاق متكرر لأبواب المسجد، ومنع آلاف الفلسطينيين من الوصول إليه، خاصة في أوقات الفجر وخلال أيام شهر رمضان وهو الذي لم يحدث منذ احتلال المدينة.
تشير المعطيات إلى تسجيل 3 محاولات على الأقل خلال عام 2025 لإدخال قرابين إلى داخل الأقصى أو محيطه، بعضها أُحبط في اللحظات الأخيرة، فيما رُصدت حوافز مالية وصلت إلى 10,000 شيكل لمن ينجح في تنفيذ الذبح داخل المسجد.
ولكن هذا العام مختلف بل هو الاقرب لتحقيق الأكذوبة الصهيونية، فمنذ بداية العام تتصاعد الحملات بشكل غير مسبوق، بالتزامن مع عيد الفصح الذي يمتد من 1 إلى 8 أبريل، حيث يجري التحضير لتنفيذ هذا الطقس باعتباره “خطوة مركزية” نحو فرض واقع ديني جديد.
هذا التزامن بين الإغلاق، والاقتحامات، والدعوات لذبح القربان، يكشف عن نمط متكامل من الإجراءات التي تتجاوز الطابع الأمني، لتلامس تغييرًا تدريجيًا في هوية المكان ووظيفته.
وبينما تبدو هذه التحركات للبعض مجرد “طقوس دينية”، فإنها بالنسبة للفلسطينيين تمثل تحولًا خطيرًا؛ من اقتحامات وصلوات إلى محاولات إدخال شعائر كاملة داخل المسجد، بما يحمله ذلك من دلالات سياسية ودينية عميقة على مستقبل الأقصى.
وفي ظل انشغال العالم بحروبه الاقتصادية يبدو أن حلم (إسرائيل) الصهيوني قريب جدا للتحقق؛ أكثر من أي وقت مضى.